بعلّيّة (أ) ل (ب) الناتج عن تكرّر الاقتران علماً ولّدته قوّة الوهم، بحيث يزول إذا لجأ العقل الأوّل إلى صناعته البرهانيّة، بل أن يكون علماً يحصل لدى الإنسان فيما لو عُزل تماماً عن قوّة وهمه. ومن هنا تتحدّد وظيفة المنطق الذاتي بتفسير العلوم غير الناتجة عن الوهم.
وقبل الانتقال إلى الحديث عن المصادرة الثالثة، يبقى أن نشير إلى موقف كلٍّ من المنطق العقلي والمنطق التجريبي من هذه المصادرة:
1- أمّا المنطق العقلي فهو يصادق على ما قلناه؛ لأنّه يعترف بأنّ العلم الحاصل هو عبارة عن معرفة عقليّة صحيحة وليس وهماً، فلا يمكن أن تخالفه أحكام العقل الاخرى؛ لأنّ العقل لا يعارض نفسه.
2- وأمّا التجريبيّون فهم على قسمين، تبعاً لموقفهم من أصل حصول العلم:
أ- فمن أنكر منهم أصل وجود هذا العلم، لم يعد من الممكن لديه الحديث حول منشئه، وهل أ نّه من مدركات العقل أم مدركات الوهم.
ب- وأمّا بعض من يعترف منهم بحصول علمٍ من هذا القبيل، فيفسّره بما يقرب من الوهم؛ لأنّه في الحقيقة يفسّره على أساس العادة، والعادة قريبة إلى الوهم[1].
[1] يقصد الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم( 1711- 1776 م) صاحب النزعة السيكولوجيّة في المذهب التجريبي، والذي يعتقد أنّ العادة والتكرار يدفعان الذهن إلى إقامة صرح علاقة الضرورة، فهي قائمة في الذهن لا في الأشياء، ولكنّ الذهن ينزع إلى بسطها على العالم الخارجي، فراجع: الاسس المنطقيّة للاستقراء: 117- 125 ضمن الحديث عن الاتّجاه التجريبي الثالث، والمصدر نفسه: 307 ضمن الحديث عن السببيّة العقليّة والتجريبيّة، وراجع: ديفيد هيوم: 81- 82، وقد سبقه إلى ما يقرب منه جابر بن حيّان( ت 200 ه/ 815 م)، فراجع: جابر بن حيّان: 66