وأنّ الغرض من تأليف هذا العلم هو ترويض النفس على هذا التمييز[1].
وفي ذيل الحديث عن قوّة الوهم لا بأس بالإشارة إلى أنّ السيطرة على هذه القوّة ليست بالعمليّة السهلة، وهي مرتبطة بما يمنحه اللَّه تعالى للإنسان من قدرة على السيطرة عليها أكثر من ارتباطها بإقامة البرهان على كونها مجرّد وهم؛ فإقامة البرهان العقلي على كون شيء وهماً لا يكفي على الإطلاق لاجتثاث جذور هذا الوهم من النفس. ومن هنا نجد أنّ الإنسان الذي يعلم- بالوجدان أو البرهان- أنّ الموتى لا يمكن أن يرقصوا أمامه، يخيّل له عندما يذهب إلى المقبرة أ نّهم يفعلون ذلك، اللهمّ إلّاقوي الجنان، وهذا معنى ما ذكرناه من أنّ العمليّة مرتبطة بما يمنحه اللَّه تعالى للإنسان.
ومن هذه المقدّمات نخرج بنتيجة، وهي أ نّنا عندما نتحدّث عن المعرفة الوهميّة فإنّنا نقصد منها تلك المعرفة التي يحكم العقل الأوّل ببطلانها لدى إعمالنا الطريقة البرهانيّة في التفكير.
وهنا نعود إلى أصل المصادرة الثانية التي ذكرناها، وهي أن لا يكون العلم
[1] يبدو أ نّه قدس سره يقصد من( بعض فلاسفتنا) الشيخ الرئيس ابن سينا؛ فإنّه يقول:« النفس أوّل ما يترعرع تباشر الوهم الذي هو تابع الحسّ، وبكدّ ما تفطم ما يورده عليها فيرقرقه لها، ولكن لا بدّ لها منه على كلّ حال. ويصعب عليها قبول ما حكم به العقل عند البيان البرهاني المبني على المقدّمات الأوّليّة العقليّة، دون الوهميّة المتّصلة، إلى أن تتوالى عدّة البيانات والأمثلة، فتعتاد ذلك وتعرف فضله على الوهميّات. ولولا ما تولّاه المنطق من إفراد هذه المقدّمات وشرائط البرهان عن سائر المقدّمات من الوهميّات والمشهورات والاستقرائيّات وغيرها- على ما فصّل- لكان الضلال مستولياً على كلّ أحد؛ فأشرف به من صناعة وأخلق بمن شرّف به أن يهتدي إلى كلّ خافية»( المباحثات: 347، كذا ورد النصّ). ومن المفيد بهذا الصدد مراجعة جواب الشيخ الرئيس عن سؤال أبي حسين أحمد السهلي( رسائل ابن سينا: 452)