النتائج، والوهم غافلٌ أثناء ذلك عمّا يدبّره له العقل. وتستمرّ عمليّة البرهان بين العقل الأوّل والثاني إلى أن يفضي الأمر إلى نتيجة تتصادم مع بعض معطيات الوهم الأوّليّة. وهنا بالتحديد يستيقظ الإنسان من غفلته، ويعي أنّ ما قدّمه له الوهم بصفته مبادئ عقليّة ومعارف أوّليّة لم يكن كذلك، وإنّما كان مجرّد وهم، وهو لا يستطيع البقاء على موقفه السابق من تلك المعارف؛ لأنّ الفرض أنّ النتيجة التي توصّل إليها العقل وتصادمت مع هذه المعارف كانت نتيجة مبرهناً عليها وموضع قبول لديه، وحيث إنّ العقل لا يكذّب نفسه، فلا يبقى حينئذٍ شكٌّ في أنّ ما حسبه من المعارف العقليّة الأوّليّة لم يكن كذلك.
ومن باب المثال نقول: إنّ قوّة الوهم لا تتصوّر أن يكون العالم متناهياً، بحيث يتاح للإنسان أن يصل إلى مكانٍ يمدّ يده خارجه فتقع خارج هذا العالم.
ولذلك نجد أنّ هذه القوّة تقذف في نفس الإنسان وتنفث فيها بأنّ العالم غير متناهٍ.
هنا يأتي العقل- كما قلنا- ليحتال على الوهم، فيبدأ بترتيب المقدّمات والوصول إلى النتائج، إلى أن يقيم البراهين القاطعة على تناهي الكمّيّات المتّصلة. وخلال هذه العمليّة تكون النفس بصدد مواكبة ما يجري والمصادقة عليه حتّى تصادق على النتيجة، بينما تصادق قوّة الوهم على المقدّمات وترفض الإذعان للنتيجة. وهنا يظهر للنفس أنّ ما تلقّته بوصفه من مدركات العقل الأوّل لم يكن سوى مجرّد وهم.
ومع تكرّر هذه العمليّة وانس النفس بالبرهان، تزداد قوّتها على التمييز بين مدركات العقل الأوّل وبين مدركات الوهم، حتّى اعتبر بعض فلاسفتنا أنّ علم المنطق هو صناعة يميّز بها بين مدركات العقل الأوّل وبين مدركات الوهم،