نفسيّة عاشوها، وإلّا فهل يشكُّ أحدٌ حقيقةً في أنّ عنق الإنسان إذا حزّت فإنّه يموت؟! أو في أنّ من يدخل النار يحترق؟!
وهنا يأتي دور المنطق الذاتي ليعالج المشكلة النفسيّة التي عاشها هذا الاتّجاه من التجريبيّين. ولو استطاع هذا المنطق أن يقدّم تفسيراً معقولًا يقبله هؤلاء حول كيفيّة حصول العلم من خلال التجربة، فإنّ هذا سيعيد بصيص الأمل في رجوعهم إلى حظيرة اليقين.
2- المصادرة الثانية: عدم كون العلم الحاصل وهماً:
بعد افتراض حصول العلم بأنّ (أ) علّة ل (ب)، يأتي دور الحديث عن المصادرة الثانية من مصادرات المنطق الذاتي. وحاصل هذه المصادرة هو الاعتراف بأنّ هذا الجزم الحاصل ليس مجرّد وهم يعيشه الإنسان نتيجةً لغفلته عن برهان عقلي، وإنّما هو بالفعل ناتج عن قوّة العقل.
وتوضيح ذلك: أنّ الفلاسفة العقليّين ذكروا أنّ لدى الإنسان- إلى جانب مَلَكة العقل- ملكةً اخرى يطلقون عليها: (ملكة الوهم)، وهذه الملكة تدعو الإنسان إلى الاعتقاد بجملة من الامور اعتقاداً أوّليّاً، بمعنى أ نّها تنتج اعتقاداتها مباشرةً وابتداءً، دون أن تفترض اعتقادات سابقة عليها كانت سبباً في حصولها.
وكثيراً ما يخيّل للإنسان الذي لم يمارس صناعة البرهان أنّ معطيات الوهم عبارة عن معطيّات العقل الأوّل، وأ نّها معارف عقليّة أوّليّة لا كلام فيها.
ويبقى الحال على ما هو عليه إلى أن يأتي دور العقل في ممارسة ما يشبه الحيلة، ليفسد بذلك على الوهم ما هو فيه، فيبدأ بترتيب المقدّمات ثمّ يصل منها إلى