شواهد إضافية.
فالقضية القائلة: «كلّ إنسان فصلت رقبته عن جسده يموت»، و «كلّ نار حارّة» استقرائية، ولكنّها بدرجة من الوضوح- نتيجة لامتداد الاستقراء الذي يدعمها، واستيعابه عدداً هائلًا من الشواهد والحالات المؤيّدة- حتّى ليبدو أنّ وضوحها لا مجال فيه للازدياد. فنحن- عادةً- لا نتعامل مع القضايا الاستقرائية التي هي من هذا النوع في بدايات تكوّنها الذهني، لكي نستطيع أن ندرك بسهولة مدى ارتباطها بالأمثلة والشواهد، وإنّما نواجه هذه القضايا- عادةً- بعد أن تكون قد أحرزت درجة كبيرة جدّاً من الوضوح على أساس الأمثلة والشواهد. وفي هذه المرحلة قد لا نلاحظ فرقاً بينها وبين أيّ قضيّة قبلية في عدم ازدياد وضوحها بازدياد الأمثلة والشواهد.
وهناك علامة فارقة اخرى، وهي: شعور الإنسان بإمكان التنازل عن الاعتقاد المطلق بقضية ما إذا توفّرت بعض القرائن ضدّها: فإذا تحدّث عدد كبير من الثقات عن شخص معيّن رأوا بأنفسهم أنّ رقبته فصلت عن جسده فلم يمت، بل ظلّ يتكلّم كما كان يتكلّم قبل ذلك، فمن المحتمل أن توجد شهادات هؤلاء الثقات احتمالًا- ولو ضئيلًا- لصدق هذه الحادثة بصورة استثنائية. ولكنّنا مهما نفترض من شهادات ثقات بأ نّهم رأوا بأعينهم شيئاً موجوداً ومعدوماً في نفس الوقت، لا نجد في أنفسنا أي استعداد لتقبّل احتمال ذلك.
وتوجد علامة فارقة ثالثة، وهي: أنّ القضية الاستقرائية مهما كان الاستقراء الذي يدعمها شاملًا، لا يمكن أن تكون قضية مطلقة صادقة على أيّ عالم من العوالم المفترضة، وإنّما يختصّ صدقها بالعالم الخارجي المعاش الذي وقع الاستقراء فيه، بينما تتمتّع القضية الأوّلية القبلية بصدق مطلق لا يختصّ بهذا العالم، بل يمتدّ إلى أيّ عالم يمكن افتراضه.