أو في الأصل المطابق لقول المنكر، فترجيح البيّنة على الأصل في الحجّية إنّما يكون لطريقية البيّنة في نظر الشارع، وكونها أقوى كشفاً من الاصول المعارضة، فيتجّه التعدّي حينئذٍ.
هذا، مضافاً إلى أنّ دليل حجّية البيّنة في باب القضاء ليس قاصراً على موارد الخصومة، بل يشمل موارد القضاء بإقامة حدٍّ، من قبيل حدّ شرب الخمر ونحوه ممّا لا خصومة فيه، فلولا شدّة اعتماد الشارع على كاشفية البينة عن الواقع لَمَا أناط بها إثبات الواقع الذي يكون موضوعاً لوظيفةٍ شرعيةٍ في غاية الخطورة من قبيل الحدّ، ومعه كيف لا يفهم عرفاً من دليل حجّية البينة هذا اعتماد الشارع عليها مطلقاً، وفي أمثال النجاسة والطهارة؟!
وأمّا أصل التقريب فلأنّ اعتماد الشارع على البيّنة في مورد القضاء وإلغاءه للُاصول في مقابلها وإن كان يكشف عن كونها في نظره أقوى وأصوب كشفاً ولكن لا يلزم من إلزام الشارع بالأخذ بها في باب القضاء إلزامه بالأخذ بها في غير هذا الباب وإلغاء الاصول؛ لأنّ مراتب اهتمام الشارع بالايصال إلى الواقع متفاوتة، فقد يكون غرضه في الإيصال إلى الواقع في موارد حقوق الناس وخصوماتهم أشدّ من غرضه في الإيصال إلى الواقع في مثل الطهارة والنجاسة.
ثانيها: ما ذكره السيّد الاستاذ[1]، وتوضيحه: أنّ البينة في قوله صلى الله عليه و آله: «إنمّا أقضي بينكم بالبيّنات» إذا حملت على معناها اللغويّ العرفيّ كانت بمعنى ما يبيّن الشيء ويكون حجّةً عليه، وحيث إنّ هذا القول نفسه في مقام إنشاء الحجّية القضائية للبيّنة- أي كونها حجّةً في مقام القضاء- فهناك حجّيتان في القول المذكور:
[1] التنقيح 1: 317