وأمّا في الفرض الثاني فلا إشكال في تقدّم الاستصحاب على قاعدة الطهارة، ووجه التقدّم المعروف هو الحكومة، وكونه يلغي الشكّ الذي اخذ موضوعاً للقاعدة، غير أنّنا لا نرتضي هذه الحكومة؛ لعدم الاعتراف باصولها الموضوعية من جعل الطريقية وقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي، كما أوضحناه في الاصول[1]. وإنّما نقول بتقدّم الاستصحاب في المقام؛ لكونه أصلًا موضوعياً، فإنّ نفس كونه أصلًا موضوعياً يعتبر نكتةً عرفيةً للتقديم. وتوضيح ذلك حلّاً موكول إلى بحث الاصول، غير أنّ بالإمكان في المقام توضيحه نقضاً بالتكلّم عن الفرض الثالث، فإنّ المعروف فيه تقدّم قاعدة الطهارة في الماء على استصحاب النجاسة في الثوب المغسول به.
ومدرسة المحقّق النائينيّ[2] تعترف بهذا التقديم، مع أنّ مبانيها في الحكومة وجعل الطريقية لا تصلح للبرهنة على ذلك؛ لأنّ مفاد قاعدة الطهارة في الماء ليس هو إلغاء الشكّ وجعل العلم التعبّديّ بالطهارة وآثارها ليرتفع بذلك موضوع استصحاب النجاسة في الثوب المغسول، وهذا كاشف عن لزوم الالتزام بنكتةٍ أُخرى لتقديم الأصل الموضوعيّ على الأصل الحكميّ- غير الحكومة- بملاك إلغاء الشكّ والتعبّد بالعلم.
الجهة التاسعة:
كنّا نتحدّث حتّى الآن مفترضين أن قاعدة الطهارة حكم ظاهري، غير أنّ هناك من ذهب إلى كونها متكفّلةً لحكمٍ واقعي، فلا بدّ من استعراض ما يمكن أن يقرَّب به ذلك مع مناقشته.
وتوضيح الكلام في ذلك: أنّ قوله: «كلّ شيءٍ نظيف حتّى تعلم أ نّه قذر»[3]:
[1] بحوث في علم الاصول 6: 168
[2] فوائد الاصول 4: 683- 684
[3] وسائل الشيعة 3: 467، ب 37 من أبواب النجاسة، الحديث 4