إحداهما: مجعولة فيه، وهي حجّية البيّنة في القضاء.
والاخرى: الحجّية المأخوذة في موضوعه، التي تدلّ عليها نفس كلمة «البيّنة» بمعناها اللغويّ والعرفي، ولا بدّ أن تكون هذه الحجّية غير الحجّية المجعولة في نفس ذلك القول، فهي إذن الحجّية في نفسها، وحيث إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله طبَّق الموضوع على شهادة عدلين فيثبت أنهّا حجّة في نفسها، وبذلك يتمّ المطلوب.
وأمّا إذا حملنا البيّنة المأخوذة موضوعاً لقوله: «أقضي بينكم بالبيّنات» على شهادة عدلين ابتداءً فلايستفاد من القول المذكور نحوانِ من الحجّية ليتمّ هذا التقريب.
ويرد عليه:
أوّلًا: أ نّه لو سلّمت الاستفادة المذكورة فلا يكون في الدليل إطلاق يتمسّكبه لإثبات أنّ حجّية البيّنة في نفسها ثابتة في جميع الموارد؛ لأنّ الدليل كان مسوقاً لبيان الحجّية القضائية للبيّنة، لا لحجّيتها الاخرى، وإنّما اخذت الحجّية الاخرى مفروغاً عنها في موضوع الكلام، وما دام الدليل غير مسوقٍ لبيانها فلا يمكن إثبات الإطلاق في حجّية البيّنة.
وثانياً: أنّ قوله: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات» لو كان في مقام إنشاء الحجّية في باب القضاء بهذا الخطاب فقد يتّجه ما ذكر، وأمّا إذا كان في مقام الإخبار وتوضيح أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله لا يستعمل في مقام القضاء علمه الغيبيّ وإنّما يعمل الموازين والحجج الظاهرية فلا يتضمّن القول المذكور حينئذٍ نحوين من الحجّية، بل نحواً واحداً.
ففرق بين أن يقال: «جعلت الحجّية في باب القضاء لما هو حجّة»، أويقال: «لا أعتمد في باب القضاء على علم الغيب، بل على الحجّة»، فإن