أمر بعيد عن الارتكاز العرفي؛ لأنّنا نتساءل: ماهو موضوع النجاسة؟ هل هو تمام الماء، أو خصوص ما ينزح، أو كلّيّ بالقدر الواجب نزحه؟ والكلّ على خلاف الارتكاز العرفي:
أمّا الأوّل فلأنّ الماء إذا كان كلّه نجساً فكيف يطهر بعض النجس بفصل بعضه الآخر عنه؟! فإنّ مثل هذه المطهّرية غريبة عرفاً.
وأما الثاني فهو أغرب؛ لأنّ نسبة القذر الواقع في البئر إلى الجميع واحدة فكيف تتعيّن النجاسة فيما ينزح خاصّةً، وقد لا يقع نزحٌ أصلًا؟!
وأمّا الثالث فهو غير معقول؛ لعدم تعقّل قيام القذارة بالكلّي، أو بالكسر المشاع وإن تعقّل العرف ذلك في الملكية. ولا يبقى بعد ذلك إلّاافتراض أنّ الماء كلّه ينجس، وبالنزح يتجدّد النبع، فيكون النبع المتجدّد مطهّراً للماء الباقي.
وهذا أيضاً غريب في نفسه بناءً على عدم اعتصام ماء البئر؛ لأنّ الماء المتجدّد نبعه هو بدوره أيضاً ماء قليل غير معتصمٍ ينجس بالملاقاة، فكيف أصبح مطهّراً لماتنجّس؟ ولو كان موجوداً حين تنجّس ماء البئر لشملته النجاسة!
وهذا خلافاً لما إذا افترضنا اعتصام ماء البئر وكون النجاسة تنزّهية، أو افترضنا كون النزح في نفسه أدباً شرعياً، بنكتة جعل ماء البئر في حالة حركةٍ وتجدّدٍ باستمرار، فإنّ الأمر بالنزح حينئذٍ مناسب، وليس على خلاف الارتكاز.
ومنها: ورود الأمر بالنزح متّصلًا بقرينةٍ توجب عدم إرادة النجاسة والحمل على التنزيه، فإذا أمكن باتّصال القرينة المذكورة إبطال ظهور الأمر بالنزح في النجاسة واتّجاه دلالته نحو التنزيه أمكن بالقرينة المنفصلة إبطال حجّية ذلك الظهور، وحمله على التنزيه، وذلك كما في رواية أبي اسامة، ويعقوب بن عثيم، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إذا وقع في البئر الطير والدجاجة والفأرة فانزح منها سبع دلاء»، قلنا: فما تقول في صلاتنا ووضوئنا، وما أصاب ثيابنا؟ فقال: