سافله يتقوّى بالعالي دون العكس، إذ يقال: إنّه إذا كان واحداً فالاعتصام يثبت له بتمام أجزائه، وإن كان ماءين فلا يتقوّى سافله بعاليه.
ورفع كلا التشويشَين بعد افتراض وحدة الماء الذي له عالٍ وسافل- سواء كان قليلًا أو كثيراً- أنّ عدم انفعال العالي بملاقاة السافل وعدم تقوّيه بالسافل إنّما هو لمناسباتٍ ارتكازيةٍ بلحاظ وقوع عنوان الماء موضوعاً للحكم بالانفعال في دليله، أو موضوعاً للحكم بالاعتصام في دليله.
أمّا دليل الانفعال فقد تقدّم في الجزء الأوّل[1] توضيح المناسبات الارتكازية التي اقتضت عدم انفعال العالي بملاقاة النجاسة للسافل.
وأمّا دليل الاعتصام فإنّ العرف يرى بارتكازه أنّ الكثرة إنّما تكون عاصمةً ومانعةً عن تأثير النجاسة إذا كانت أبعاض الماء الاخرى بنحوٍ تمدّ البعض الملاقي للنجاسة. وأمّا مع فرض عدم كونه صالحاً للاستمداد من الأبعاض الاخرى- كالعالي بالنسبة إلى السافل- فلا يرى في الارتكاز العرفيّ للسافل تأثير في منعته وعصمته، وهذه قرينة لبِّية تقيّد إطلاق دليل الاعتصام تقييداً متّصلًا.
ومنه يظهر الفرق بين العالي والسافل، فإنّ السافل يتقوّى بالعالي؛ لأنّ كلاالشرطين- من وحدة الماء البالغ كرّاً، وعدم منافاة الارتكاز- محقّق.
أمّا الأوّل فلما تقدّم من أنّ اختلاف السطوح لا يضرّ بالوحدة ولو مع الجريان.
وأمّا الثاني فلأنّ السافل صالح للاستمداد من العالي فلا تنطبق عليه النكتة الارتكازية التي أوجبت عدم تقوّي العالي بالسافل وخروجه عن دليل الاعتصام، فيحكم باعتصامه عملًا بإطلاق دليل الاعتصام.
[1] راجع الجزء الأوّل، الصفحة 144 وما بعدها