أمّا من ناحية الموضوع فالظاهر اختصاص مورد النصِّ بالماءين القليلين، فيبقى الباقي تحت القاعدة. ووجه الاختصاص: التعبير بقوله: «وقع في أحدهما قذر» الظاهر في الانفعال بالملاقاة. ويؤيّده عنوان الإناء المناسب لذلك، وكذلك فرض كون الإناء معه.
وأمّا من ناحية المحمول فهناك أمران: أحدهما الأمر بالإراقة، والآخر الأمر بالتيمّم.
أمّا الأمر بالإراقة فقد يقال بعد وضوح عدم كونه أمراً مولويّاً نفسياً ولو بقرينة الارتكاز: إنّه يتكفّل وجوباً استطراقياً، بمعنى وجوب الإراقة تحقيقاً لموضوع وجوب التيمّم، وهو الفقدان.
ويرد عليه: أنّ مقتضى ذلك عدم تحقّق موضوع وجوب التيمّم قبل الإراقة، وهو يساوق وجوب الوضوء، فيكون إيجاب الإراقة المعجِّز عن وجوب الوضوء غير عقلائي، فلا يصحّ حمل الدليل على مثل هذا المفاد.
نعم، لو فرض أنّ الفقدان كان قيداً للواجب لا للوجوب رجع إلى الأمر بالتيمّم المقيّد بالفقدان، ولكنّ قيدية الفقدان للواجب بصورة مستقلّةٍ عن تقييد الوجوب به لمّا كان أمراً غير معهودٍ ولا مفهومٍ عرفاً فلا يكون الدليل ظاهراً في ذلك، بل هو ظاهر في الإرشاد إلى عدم الانتفاع بالماء. أو هو على الأقلّ محتمل لذلك بنحوٍ يوجب الإجمال، فلا ملزم نفسيّ أو شرطيّ بالإراقة.
وأمّا الأمر بالتيمّم فقد يستدلّ به على تعيّنه بنحوٍ لا يجوز الوضوء حتّى بالنحو المتقدّم في الصورة الثالثة. ولكنّ الظاهر عدم دلالته على ذلك؛ لأنّه أمر في مورد توهّم الحظر، ومثل هذا الأمر لا يدلّ على أكثر من المشروعية. فالمكلّف مخيّر في مورد النصّ بين التيمّم وبين الوضوء بالنحو المشار إليه، وبذلك يقيّد إطلاق دليل وجوب الوضوء المقتضي لتعيّن الوضوء ولو باستعمال الصورة الثالثة،