الممارس حقّاً في الاختيار ضمن الإطار العامّ للاجتهاد في الشريعة قد يكون أحياناً شرطاً ضروريّاً من الناحية الفنّية لعمليّة الاكتشاف التي يحاولها هذا الكتاب، وليس أمراً جائزاً فحسب، أو لوناً من الترف والتكاسل عن تحمّل أعباء ومشاقّ الاجتهاد في أحكام الشريعة، فإنّ من المستحيل في بعض الحالات اكتشاف النظريّة الإسلاميّة والقواعد المذهبيّة في الاقتصاد شاملة كاملة منسجمة مع بنائها العلْوي وتفصيلاتها التشريعيّة وتفريعاتها الفقهيّة إلّاعلى أساس المجال الذاتي للاختيار.
وأنا أقول هذا نتيجة لتجربة شخصيّة عشتها في فترة إعداد هذا الكتاب، ولعلّ من الضروري أن اجلّيها هنا لُابرز إحدى المشاكل التي يعانيها البحث في الاقتصاد الإسلامي غالباً، وطريقة تغلّب هذا الكتاب عليها بممارسة المجال الذاتي الآنف الذكر الذي منح لنفسه حقّ ممارسته.
فمن المتّفق عليه بين المسلمين اليوم أنّ القليل من أحكام الشريعة الإسلاميّة هو الذي لا يزال يحتفظ بوضوحه وضرورته وصفته القطعيّة بالرغم من هذه القرون المتطاولة التي تفصلنا عن عصر التشريع. وقد لا تتجاوز الفئة التي تتمتّع بصفة قطعيّة من أحكام الشريعة الخمسة في المئة من مجموع الأحكام التي نجدها في الكتب الفقهيّة.
والسبب في ذلك واضح؛ لأنّ أحكام الشريعة تؤخذ من الكتاب والسنّة، أي من النصّ التشريعي، ونحن بطبيعة الحال نعتمد في صحّة كلّ نصٍّ على نقل أحد الرواة والمحدّثين- باستثناء النصوص القرآنيّة ومجموعة قليلة من نصوص السنّة التي ثبتت بالتواتر واليقين- ومهما حاولنا أن ندقّق في الراوي ووثاقته وأمانته في النقل، فإنّنا لن نتأكّد بشكل قاطع من صحّة النصّ ما دمنا لا نعرف مدى أمانة الرواة إلّاتاريخيّاً، لا بشكل مباشر، وما دام الراوي الأمين قد يخطئ ويقدّم