كلا هذين التقديرين، وتعيين أحدهما على ضوء صيغة النصّ وما يناظره من نصوص.
وأمّا اولئك الذين يتّخذون موقفاً نفسيّاً تجاه النصّ بصورة مسبقة فهم يفترضون منذ البدء أن يجدوا في كلّ نصّ حكماً شرعيّاً عامّاً، وينظرون دائماً إلى النبيّ من خلال النصوص بوصفه أداةً لتبليغ الأحكام العامّة، ويهملون دوره الإيجابي بوصفه وليّ الأمر، فيفسّرون[1] النصّ الآنف الذكر على أساس أ نّه حكم شرعي عام[2].
وهذا الموقف الخاصّ في تفسير النصّ لم ينبع من النصّ نفسه، وإنّما نتج من اعتيادٍ ذهنيٍّ على صورة خاصّة عن النبيّ، وطريقة تفكير معيّنة فيه درج عليها الممارس، واعتاد خلالها أن ينظر إليه دائماً باعتباره مبلّغاً، وانطمست أمام عينيه شخصيّته الاخرى بوصفه حاكماً، وانطمست بالتالي ما تعبّر به هذه الشخصيّة عن نفسها في النصوص المختلفة.
ضرورة الذاتيّة أحياناً:
ويجب أن نشير في النهاية إلى المجال الوحيد الذي يسمح به للجانب الذاتي لدى محاولة تكوين الفكرة العامّة المحدّدة عن الاقتصاد الإسلامي، وهو مجال اختيار الصورة التي يراد أخذها عن الاقتصاد في الإسلام من بين مجموع الصور التي تُمثّل مختلف الاجتهادات الفقهيّة المشروعة، فقد مرّ بنا أنّ اكتشاف
[1] راجع مسالك الأفهام 12: 446، وجواهر الكلام 38: 119
[2] ويفرّعون على هذا الأساس أنّ النهي ليس نهي تحريم، وإنّما هو نهي كراهة؛ لأنّهم يستبعدون أن يكون منع المالك لفضل مائه حراماً شرعاً في كلّ زمان ومكان.( المؤلّف قدس سره)