خداع الواقع التطبيقي:
قد دخل المذهب الاقتصادي في الإسلام حياة المجتمع بوصفه النظام السائد في عصر النبوّة، وعاش على صعيد التطبيق مجسّداً في واقع العلاقات الاقتصاديّة التي كانت قائمة بين أفراد المجتمع الإسلامي يومذاك؛ ولأجل هذا يصبح من الممكن- خلال عمليّة اكتشاف الاقتصاد الإسلامي- أن ندرسه ونبحث عنه على الصعيد التطبيقي، كما ندرسه ونبحث عنه على الصعيد النظري؛ فإنّ التطبيق يحدّد ملامح الاقتصاد الإسلامي وخصائصه، كما تحدّدها نصوص النظريّة في مجالات التشريع.
ولكنّ النصوص التشريعيّة للنظريّة أقدر على تصوير المذهب من الواقع التطبيقي؛ لأنّ التطبيق نصّ تشريعي في ظرف معيّن قد لا يستطيع أن يعكس المضمون الضخم لذلك النصّ، ولا أن يصوّر مغزاه الاجتماعي كاملًا، فيختلف إلهام التطبيق ومعطاه التصوّري للنظريّة عن المعطى الفكري للنصوص التشريعيّة نفسها، ومردّ هذا الاختلاف إلى خداع التطبيق لحواسّ الممارس الاكتشافيّة نتيجة لارتباط التطبيق بظروف موضوعيّة خاصّة.
ويكفي مثالًا على هذا الخداع: أنّ الممارس الذي يريد أن يتعرّف على طبيعة الاقتصاد الإسلامي من خلال التطبيق قد يوحي إليه التطبيق بأنّ الاقتصاد الإسلامي رأسمالي يؤمن بالحرّية الاقتصاديّة، ويفسح المجال أمام الملكيّة الخاصّة والنشاط الفردي الحرّ، كما ذهب إلى ذلك- بكلّ صراحة- بعض المفكّرين المسلمين، حين تراءى لهم أفراد المجتمع الذين عاشوا تجربة الاقتصاد الإسلامي وهم أحرار في تصرّفاتهم لا يحسّون بضغط أو تحديد، ويتمتّعون بحقّ ملكيّة أيّ ثروة يتاح لهم الاستيلاء عليها من ثروات الطبيعة، وبحقّ استثمارها