المذهب الاقتصادي يتمّ خلال عمليّة اجتهاد في فهم النصوص وتنسيقها، والتوفيق بين مدلولاتها في اطّراد واحد، وعرفنا أنّ الاجتهاد يختلف ويتنوّع تبعاً لاختلاف المجتهدين في طريقة فهمهم للنصوص، وعلاجهم للتناقضات التي قد تبدو بين بعضها والبعض الآخر، وفي القواعد والمناهج العامّة للتفكير الفقهي التي يتبنّونها. كما عرفنا أيضاً أنّ الاجتهاد يتمتّع بصفة شرعيّة وطابع إسلامي ما دام يمارس وظيفته، ويرسم الصورة ويحدّد معالمها ضمن إطار الكتاب والسنّة، ووفقاً للشروط العامّة التي لا يجوز اجتيازها.
وينتج عن ذلك كلّه ازدياد ذخيرتنا بالنسبة إلى الاقتصاد الإسلامي، ووجود صور عديدة له، كلّها شرعي وكلّها إسلامي. ومن الممكن حينئذٍ أن نتخيّر في كلّ مجال أقوى العناصر التي نجدها في تلك الصورة، وأقدرها على معالجة مشاكل الحياة وتحقيق الأهداف العليا للإسلام. وهذا مجال اختيار ذاتي يملك الباحث فيه حرّيته ورأيه، ويتحرّر عن وصفه مكتشفاً فحسب، وإن كانت هذه الذاتيّة لا تعدو أن تكون اختياراً، وليست إبداعاً، فهي تحرّرٌ في نطاق الاجتهادات المختلفة، وليست تحرّراً كاملًا.
وقد مارس هذا الكتاب في بحوث سابقة، وسيمارس في بحوث مقبلة هذا المجال الذاتي، كما ألمعنا إلى ذلك في المقدّمة[1]. فليس كلّ ما يعرض من أحكام في هذا الكتاب ويتبنّى ويستدلّ عليه نتيجة لاجتهاد المؤلّف شخصيّاً، بل قد يعرض في بعض النقاط لما لا يتّفق مع اجتهاده ما دام يعبّر عن وجهة نظر اجتهاديّة اخرى تحمل الطابع الإسلامي والصفة الشرعيّة.
وأودّ أن اؤكّد بهذه المناسبة على أنّ ممارسة هذا المجال الذاتي ومنح
[1] مقدّمة الطبعة الاولى