العلم بعد ذلك في اتّجاهها بطريقته الخاصّة. وأوضح مثل على ذلك التفسير الذرّي للكون الذي قال به الفيلسوف اليوناني ديمقراطيس، وقامت على أساسه عدّة مدارس فلسفية على مرّ التاريخ قبل أن تصل العلوم الطبيعية إلى مستوى نتمكّن فيه من التدليل على هذا التفسير. واستمرّ التفسير يحمل الطابع الفلسفي الخالص، حتّى حاول أن يدخل الحقل العلمي لأوّل مرّة على يد (دالتن) عام (1805 م)، حيث استخدم الفرضيّة الذرّية لتفسير النسب الثابتة في الكيمياء.
ولم يبقَ علينا بعد هذا إلّاأن نفحص الطابع الطبقي للفلسفة، فإنّ الماركسية تؤكّد أنّ الفلسفة لا يمكن أن تتجرّد عن إطارها الطبقي، بل هي دائماً تعبير عقلي رفيع عن مصالح طبقة معيّنة. قال موريس كونفورث:
«كانت الفلسفة دوماً تعبّر- ولا تستطيع إلّاأن تعبّر- عن وجهة نظر طبقيّة. فكلّ فلسفة عبارة عن وجهة نظر طبقةٍ ما عن العالم، طريقة تدرك بها الطبقة مركزها وأهدافها التاريخية. فكانت المدارس الفلسفية تعبّر عن نظرة الطبقة ذات الامتيازات إلى العالم، أو عن وجهة نظر الطبقة التي كانت تكافح لتصبح طبقة ذات امتيازات»[1].
ولا تكتفي الماركسية بمجمل من القول كهذا، بل تضع النقاط على الحروف، فتؤكّد أنّ الفلسفة المثاليّة- وتعني بها كلّ فلسفة ترفض التفسير المادّي البحت للعالم- هي فلسفة الطبقات الحاكمة، والأقلّيات المستغلّة التي تتبنّى المثالية على مرّ التاريخ- بوصفها فلسفة محافظة- لتستعين بها على إبقاء القديم على قدمه. وأمّا المادّية فهي على نقيض ذلك؛ لأنّها كانت تعبّر دائماً عن المفهوم
[1] المادّية الديالكتيكية: 32