تنسى مطالبها ودورها السياسي، وتستسلم إلى واقعها السيء، فهو على هذا احبولة تنسجها الطبقة الحاكمة للصيد، وإغراء الكادحين والبائسين.
تقول الماركسية هذا وهي تتغافل عن الواقع التأريخي الصارخ، الذي يدلّل بكلّ وضوح على أنّ الدين كان ينشأ دائماً في أحضان الفقراء والبائسين، ويشعّ في نفوسهم قبل أن يغمر بنوره المجتمع كلّه. فهذه هي المسيحية لم يحمل لواءها في أرجاء العالم وفي الامبراطورية الرومانية على وجه خاصّ إلّااولئك الرسل الفقراء، الذين لم يكونوا يملكون شيئاً سوى الجذوة الروحية التي تشتعل في نفوسهم. وكذلك لم يكن التكتّل الأوّل الذي احتضن الدعوة الإسلامية- وكان النواة للُامّة الإسلامية- ليضمّ- على الأكثر- إلّاالفقراء وأشباه الفقراء من المجتمع المكّي، فكيف يمكن أن يفسّر الدين على أ نّه نتاج للطبقة الحاكمة خلقته لتخدير المضطهَدين وحماية مصالحها؟!
وإذا كان يحلو للماركسية أن تؤمن بأنّ الطبقة المالكة المسيطرة هي التي تصنع الدين لحماية مصالحها فمن حقّنا أن نتساءل: هل كان من مصلحة هذه الطبقة أن تجعل من هذا الدين أداة فعّالة في القضاء على الرأسمال الربوي، الذي كان يدرّ عليها أرباحاً طائلة في المجتمع المكّي قبل أن يحرّمه الإسلام تحريماً باتّاً؟! أو هل كان من مصلحتها أن تتنازل عن كلّ مزاعمها الارستقراطية فتسخّر الدين للدعوة إلى المساواة بين الناس في الكرامة الإنسانية، بل إلى الاستهانة بالأغنياء والتنديد بتعاظمهم دون حقّ، حتّى قال المسيح: من أراد أن يكون فيكم عظيماً، فليكن لكم خادماً[1]، وأ نّه أيسر أن يدخل الجمل في ثقب إبرة من أن
[1] الكتاب المقدّس، إنجيل مرقس 9: 73