تاريخ الإنسان، كما يزعم هواة العامل الاقتصادي الذين يحاولون أن يجدوا فيه التعليل النهائي لكلّ ظواهر التاريخ الإنساني، فإنّ من الخطأ محاولة تفسير تلك التناقضات والفروق بين الأفراد على أساس ظرف اجتماعي معيّن، أو عامل اقتصادي خاصّ؛ لأنّ هذا العامل أو ذلك الظرف لئن أمكن أن تفسّر على ضوئه الحالة الاجتماعيّة ككلّ، فيقال: إنّ التركيب الطبقي الإقطاعي أو أنّ نظام الرقيق كان وليد هذا العامل الاقتصادي كما يصنع أنصار التفسير المادّي للتاريخ فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكون العامل الاقتصادي أو أيّ وضع اجتماعي كافياً لتفسير ظهور تلك الاختلافات والتناقضات الخاصّة بين الأفراد، وإلّا فلماذا اتّخذ هذا الفرد دور الرقيق، وذلك الفرد دور السيّد المالك، وأصبح هذا الفرد ذكيّاً قادراً على الإبداع، والآخر خاملًا عاجزاً عن الإجادة؟! ولماذا لم يتبادل هذان الفردان دورهما ضمن إطار النظام العامّ؟!
ولا جواب على هذا السؤال بدون افتراض الأفراد مختلفين في مواهبهم وإمكاناتهم الخاصّة، قبل كلّ تفاوت اجتماعي بينهم في التركيب الطبقي للمجتمع، لكي يفسّر تفاوت الأفراد في التركيب الطبقي، واختصاص كلّ فرد بدوره الخاصّ في هذا التركيب على أساس الاختلاف في مواهبهم وإمكاناتهم، فمن الخطأ القول: بأنّ هذا الفرد أصبح ذكيّاً لأنّه احتلّ دور السيّد في التركيب الطبقي، وذاك أصبح خاملًا لأنّه قام بدور العبد في هذا التركيب؛ لأنّه لا بدّ لكي يحتلّ هذا دور العبد ويحظى ذاك بدور السيّد أن يوجد فارق بينهما مكّن السيّد بإقناع العبد بتوزيع الأدوار على هذا الشكل. وهكذا ننتهي حتماً في التعليل إلى العوامل الطبيعيّة السيكولوجيّة التي تنبع منها الاختلافات الشخصيّة في مختلف الخصائص والصفات.