بدورها أيضاً أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهنٍ إنساني عاش ظروفاً اجتماعية واقتصادية معيّنة. فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف ومتطوّرة تبعاً لتطوّرها، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة الأبدية للتأريخ.
ونحن وإن كنّا لا نؤمن بأنّ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية هي السبب الوحيد لولادة النظريات والأفكار، ولكنّنا لا ننكر تأثيرها في تكوين كثير من الأفكار والنظريات. ولنضرب لذلك مثلًا من مفاهيم المادية التأريخية، وهو مفهوم ماركس الثوري للتأريخ، فقد ظنّ ماركس أنّ إزالة المجتمع الرأسمالي أو أيّ مجتمع آخر لا يتمّ إلّابنضال ثوري بين طبقتيه الأساسيتين، وهما: طبقة البورجوازية، وطبقة البروليتاريا. وعلى هذا الأساس اعتبر الثورة من أعمّ القوانين التي تسيطر على التأريخ البشري كلّه، وجاء الماركسيون بعد ذلك، فبدلًا عن محاولة استكشاف الظروف الاجتماعية التي أوحت إلى ماركس بحتمية الثورة وضرورتها التأريخية آمنوا بأنّ الثورة من القوانين الأبدية للتأريخ، مع أ نّها لم تكن في الحقيقة إلّافكرة استوحاها ماركس من الظروف التي عاشها، ثمّ قفز بها إلى مصافّ القوانين المطلقة للتأريخ.
فقد عاصر ماركس رأسمالية القرن التاسع عشر، تلك الرأسمالية المطلقة المتميّزة بظروفها السياسية والاقتصادية الخاصّة. فبدا له أنّ التلاحم الثوري أقرب ما يكون إلى الوقوع، وأوضح ما يكون ضرورة؛ لأنّ البؤس والنعيم والفقر والغنى في ظلّ الرأسمالية المطلقة كانا يتزايدان باستمرار ودون عائق، وكانت الظروف السياسية مظلمة إلى حدّ كبير، فتفتّق ذهن ماركس عن فكرة النضال الطبقي الذي يستشري ويزداد تناقضاً يوماً بعد يوم، حتّى ينفجر البركان ويحلّ التناقض بالثورة. فآمن بأنّ الانقلاب الثوري من قوانين التأريخ العامّة. ومات ماركس واختلفت الأوضاع الاجتماعية في اوروبا الغربية، وأخذت الظروف السياسية