عالية فوق طاقاتها وإمكاناتها. وإنّما يقيم مخطّطه الاقتصادي دائماً على أساس النظرة الواقعيّة للإنسان، ويتوخّى الغايات الواقعيّة التي تتّفق مع تلك النظرة. فقد يلذّ لاقتصاد خيالي كالشيوعيّة مثلًا أن يتبنّى غاية غير واقعيّة، ويرمي إلى تحقيق إنسانيّة جديدة طاهرة من كلّ نوازع الأنانيّة، قادرة على توزيع الأعمال والأموال بينها دون حاجة إلى أداة حكوميّة تباشر التوزيع، سليمة من كلّ ألوان الاختلاف أو الصراع، غير أنّ هذا لا يتّفق مع طبيعة التشريع الإسلامي وما اتّصف به من واقعيّة في غاياته وأهدافه.
وهو- إلى هذا- واقعي في طريقته أيضاً. فكما يستهدف غايات واقعيّة ممكنة التحقيق كذلك يضمن تحقيق هذه الغايات ضماناً واقعيّاً مادّياً، ولا يكتفي بضمانات النصح والتوجيه التي يقدّمها الوعّاظ والمرشدون؛ لأنّه يريد أن يخرج تلك الأهداف إلى حيّز التنفيذ فلا يقنع بإيكالها إلى رحمة الصدف والتقادير.
فحين يستهدف مثلًا إيجاد التكافل العامّ في المجتمع لا يتوسّل إليه بأساليب التوجيه واستثارة العواطف فحسب، وإنّما يسنده بضمان تشريعي يجعله ضروريّ التحقيق على كلّ حال.
والصفة الثانية للاقتصاد الإسلامي- وهي الصفة الأخلاقيّة- تعني من ناحية الغاية: أنّ الإسلام لا يستمدّ غاياته التي يسعى إلى تحقيقها في حياة المجتمع الاقتصاديّة من ظروف مادّية وشروط طبيعيّة مستقلّة عن الإنسان نفسه، كما تستوحي الماركسيّة غاياتها من وضع القوى المنتجة وظروفها، وإنّما ينظر إلى تلك الغايات بوصفها معبّرة عن قيم عمليّة ضروريّة التحقيق من ناحية خلقيّة.
فحين يقرّر ضمان حياة العامل مثلًا لا يؤمن بأنّ هذا الضمان الاجتماعي الذي وضعه نابع من الظروف المادّية للإنتاج مثلًا، وإنّما يعتبره ممثّلًا لقيمة عمليّة يجب تحقيقها، كما سندرس ذلك بصورة مفصّلة خلال بحوث هذا الفصل.