الإسلامي للمجتمع. فإحياء الأرض واستخراج المعادن وشقّ الأنهار وغير ذلك من ألوان النشاط والاتّجار أعمال مباحة سمحت بها الشريعة سماحاً عامّاً، ووضعت لكلّ عمل نتائجه الشرعيّة التي تترتّب عليه، فإذا رأى وليّ الأمر أن يمنع عن القيام بشيء من تلك التصرّفات أو يأمر به في حدود صلاحيّاته كان له ذلك وفقاً للمبدأ الآنف الذكر.
وقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يطبّق مبدأ التدخّل هذا حين تقضي الحاجة ويتطلّب الموقف شيئاً من التدخّل والتوجيه. ومن أمثلة ذلك: ما جاء في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه و آله من أ نّه قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل: إنّه لا يمنع نفع الشيء. وقضى بين أهل البادية: إنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلأ، وقال:
«لا ضرر ولا ضرار»[1]. فإنّ من الواضح لدى الفقهاء: أنّ منع نفع الشيء أو فضل الماء ليس محرّماً بصورة عامّة في الشريعة المقدّسة. وفي هذا الضوء نعرف: أنّ النبيّ لم يحرّم على أهل المدينة منع نفع الشيء أو منع فضل الماء بصفته رسولًا مبلّغاً للأحكام الشرعيّة العامّة، وإنّما حرّم ذلك بوصفه وليّ الأمر المسؤول عن تنظيم الحياة الاقتصاديّة للمجتمع وتوجيهها توجيهاً لا يتعارض مع المصلحة العامّة التي يقدّرها. وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل الرواية تعبّر عن تحريم النبيّ صلى الله عليه و آله بالقضاء لا بالنهي، نظراً إلى أنّ القضاء لون من الحكم[2].
[1] وسائل الشيعة 25: 420، الباب 7 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2
[2] وقد اعتقد بعض الفقهاء[ مسالك الأفهام 12: 446، وجواهر الكلام 38: 119] في قضاء النبيّ بأن لا يمنع فضل الماء أو نفع الشيء: أ نّه نهي كراهةٍ لا نهي تحريم. وإنّما اضطرّوا إلى هذا اللون من التأويل وانتزاع طابع الحتم والوجوب عن قضاء النبيّ، اعتقاداً منهم بأنّ الحديث لا يتحمّل إلّاأحد معنيين: فإمّا أن يكون نهي النبيّ تحريماً فيصبح منع فضل الماء والكلأ محرّماً في الشريعة، كتحريم الخمر وغيره من المحرّمات العامّة. وإمّا أن يكون النهي ترجيحاً واستحساناً لسخاء المالك بفضل ماله. ولمّا كان المعنى الأوّل غريباً عن الذهنيّة الفقهيّة فيجب الأخذ بالتفسير الثاني. ولكنّ هذا في الواقع لا يبرّر تأويل قضاء النبيّ وتفسيره بالترجيح والاستحسان ما دام من الممكن أن نحتفظ لقضاء النبيّ بطابع الحتم والوجوب، كما يشعّ به اللفظ، ونفهمه بوصفه حكماً صدر من النبيّ بما هو وليّ الأمر، نظراً إلى الظروف الخاصّة التي كان المسلمون يعيشونها، وليس حكماً شرعيّاً عامّاً كتحريم الخمر أو الميسر.( المؤلّف قدس سره)