وثانياً: وضعت الشريعة مبدأ إشراف وليّ الأمر على النشاط العامّ، وتدخّل الدولة لحماية المصالح العامّة وحراستها بالتحديد من حرّيات الأفراد فيما يمارسون من أعمال. وقد كان وضع الإسلام لهذا المبدأ ضروريّاً لكي يضمن تحقيق مُثُله ومفاهيمه في العدالة الاجتماعيّة على مرّ الزمن، فإنّ متطلّبات العدالة الاجتماعيّة التي يدعو إليها الإسلام تختلف باختلاف الظروف الاقتصاديّة للمجتمع والأوضاع المادّية التي تكتنفه، فقد يكون القيام بعمل مضرّاً بالمجتمع وكيانه الضروري في زمان دون زمان، فلا يمكن تفصيل ذلك في صيغ دستوريّة ثابتة، وإنّما السبيل الوحيد هو فسح المجال لوليّ الأمر ليمارس وظيفته بصفته سلطة مراقبة وموجِّهة ومحدّدة لحرّيات الأفراد فيما يفعلون أو يتركون من الامور المباحة في الشرع، وفقاً للمثل الإسلامي في المجتمع.
والأصل التشريعي لمبدأ الإشراف والتدخّل هو القرآن الكريم في قوله تعالى: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»[1]، فإنّ هذا النصّ دلّ بوضوح على وجوب إطاعة اولي الأمر. ولا خلاف بين المسلمين في أنّ اولي الأمر هم أصحاب السلطة الشرعيّة في المجتمع الإسلامي، وإن اختلفوا في تعيينهم وتحديد شروطهم وصفاتهم. فللسلطة الإسلاميّة العليا إذن حقّ الطاعة والتدخّل لحماية المجتمع وتحقيق التوازن الإسلامي فيه، على أن يكون هذا التدخّل ضمن دائرة الشريعة المقدّسة. فلا يجوز للدولة أو لوليّ الأمر أن يحلّل الربا أو يجيز الغشّ أو يعطّل قانون الإرث أو يلغي ملكيّة ثابتة في المجتمع على أساس إسلامي، وإنّما يسمح لوليّ الأمر في الإسلام بالنسبة إلى التصرّفات والأعمال المباحة في الشريعة أن يتدخّل فيها، فيمنع عنها أو يأمر بها وفقاً للمثل
[1] سورة النساء: 59