بفصل الدين عن واقع الحياة، وسحبه من كلّ الحقول الاجتماعيّة العامّة.
وقد يبرّر الضغط والتحديد بوصفه قوّة نابعة من داخل الإنسان ومفروضة عليه من ضميره الذي يفرض عليه قِيماً خلقيّة، وحدوداً معيّنة لسلوكه مع الآخرين وموقفه من المجتمع. ولكنّ الضمير ليس بمفهومه في فلسفة الأخلاق عند الرأسماليّة إلّاانعكاساً داخليّاً للعرف أو العادات، أو أيّ تحديد آخر يفرض على الفرد من الخارج. فالضمير في نهاية التحليل ضغط خارجي وليس نابعاً من الأعماق الداخليّة.
وهكذا تنتهي الرأسماليّة إلى العجز عن تفسير الضغط على الحرّية عن طريق الضرورة التاريخيّة أو الدين أو الضمير.
وهكذا يرتبط موقفها من الحرّية بجذورها الفكريّة، ومفاهيمها الرئيسيّة عن الكون والإنسان، عن التاريخ والدين والأخلاق.
وعلى هذا الأساس وضعت الرأسماليّة مفهومها السياسي عن الحكومة ومختلف السلطات الاجتماعيّة. فهي لا ترى مبرّراً لتدخّل هذه السلطات في حرّيات الأفراد إلّابالقدر الذي يتطلّبه الحفاظ عليها، وصيانتها عن الفوضى والاصطدام؛ لأنّ هذا هو القدر الذي يسمح به الأفراد أنفسهم. وأمّا التدخّل خارج هذه الحدود فلا مسوّغ له من حتميّة تاريخيّة، أو دين أو قِيَم وأخلاق. ومن الطبيعي عندئذٍ أن تنتهي الرأسماليّة من تسلسلها الفكري إلى التأكيد على الحرّية في المجال الاقتصادي، ورفض فكرة قيام السلطة بوضع أيّ ضمانات أو تحديدات.
هذه هي مفاهيم الرأسماليّة في ترابطها العام الذي ينتهي إلى الاسس الفكريّة العامّة.
وهذه هي وجهة النظر التي يجب تمحيص تلك المفاهيم، وبالتالي تفنيدها على أساس تلك النظرة.