بالضغط والإكراه كان قد فقد حاجة جوهريّة اخرى، وهي حاجته إلى الحرّية التي تعبّر عن نزعة أصيلة في نفسه. فالتوفيق الدقيق الحكيم بين حاجة الإنسان الأصيلة إلى الحرّية، وحاجته الأصيلة إلى شيء من الاستقرار والثقة، وسائر حاجاته الأصيلة الاخرى هو العمليّة التي يجب أن يؤدّيها المذهب للإنسانيّة إذا حاول أن يكون واقعيّاً قائماً على اسس راسخة من الواقع الإنساني. وأمّا أن تطرح الميول والحاجات الاخرى جانباً، ويضحّى بها لحساب حاجة أصيلة واحدة كي يتوفّر إشباعها إلى أبعد الحدود كما فعل المذهب الرأسمالي فهذا ما يتعارض مع أبسط الواجبات المذهبيّة.
وأخيراً فإنّ موقف الرأسماليّة من الحرّية والضمان لئن كان خطأ فهو مع هذا ينسجم في الإطار العام للتفكير الرأسمالي كلّ الانسجام؛ لأنّ الضمان ينطوي على فكرة تحديد حرّيات الأفراد والضغط عليها، ولا تستطيع الرأسماليّة أن تجد لهذا الضغط والتحديد مسوّغاً على أساس مفاهيمها العامّة عن الكون والإنسان.
وذلك أنّ الضغط والتحديد قد يستمدّ مبرّره من الضرورة التاريخيّة كما تعتقد الماركسيّة في ضوء المادّية التاريخيّة، إذ ترى أنّ دكتاتوريّة البروليتاريا التي تمارس سياسة الضغط والتحديد من الحرّيات في المجتمع الاشتراكي تنبع من الضرورة الحتميّة لقوانين التاريخ.
ولكنّ الرأسماليّة لا تؤمن بالمادّية التاريخيّة بتسلسلها الماركسي الخاصّ.
وقد يستمدّ الضغط والتحديد مبرّره من الإيمان بسلطة عليا تمتلك حقّ تنظيم الإنسانيّة وتوجيهها في حياتها، ووضع الضمانات المحدّدة لحرّيات الأفراد كما يعتقد الدين، إذ يرى أنّ للإنسان خالقاً حكيماً من حقّه أن يصنع له وجوده الاجتماعي، ويحدّد طريقته في الحياة.
وهذا ما لا يمكن للرأسماليّة أن تقرّه في ضوء مفهومها الأساسي القائل