البطيء، وقد عالج ذلك بافتراض مقياس عامّ للكفاية الإنتاجيّة في كلّ مجتمع.
فكلّ كمّية من العمل إنّما تخلق القيمة التي تتناسب معها إذا كانت تتوافق مع ذلك المقياس العامّ، وهذا المقياس نفسه هو الذي عبّر عنه ماركس بكمّية العمل الضروريّة اجتماعيّاً، إذ قال: إنّ كلّ عمل إنتاجي يخلق قيمة تناسبه إذا أنفق بالطريقة المتعارفة اجتماعيّاً.
ووجد (ريكاردو) نفسه- بعد وضع النظريّة- مضطرّاً إلى إبعاد غير العمل من عناصر الإنتاج- كالأرض ورأس المال- عن عمليّة تكوين القيمة ما دام العمل هو الأساس الوحيد لها، فجاء لأجل ذلك بنظريّته الجديدة في تفسير الريع[1] العقاري التي قلب بها المفهوم الاقتصادي السائد عن الريع؛ كي يبرهن على أنّ الأرض لا تساهم في تكوين القيمة التبادليّة في حالة المنافسة الكاملة.
فقد كان من عادة الاقتصاديّين قبل (ريكاردو) أن يفسّروا ريع الأرض بأ نّه هبة من الطبيعة تنشأ من اشتراك الأرض مع الجهود الإنسانيّة في الإنتاج الزراعي، وبالتالي في تكوين القيمة التبادليّة المنتجة، وهذا يعني ضمناً: أنّ العمل ليس هو الأساس الوحيد للقيمة، فكان من الضروري ل (ريكاردو) أن يرفض هذا التفسير للريع وفقاً لنظريّته عن القيمة، ويأتي بالتفسير الذي ينسجم مع النظريّة. وهذا ما قام به فعلًا، فقرّر أنّ الريع نتيجة للاحتكار، ولا يمكن أن يظهر في حالة المنافسة الكاملة. فالأشخاص الذين سيطروا على الجزء الأكثر خصباً من الأرض يحصلون على ريع نتيجة لاحتكارهم واضطرار الآخرين إلى استثمار الأراضي الأقلّ خصباً.
وأمّا فيما يتّصل برأس المال فقد ذكر (ريكاردو) أنّ رأس المال ليس عملًا متجمّعاً قد ادّخر مجسّداً في أداة أو مادّة لينفق من جديد في سبيل الإنتاج، فلا مبرّر لاعتباره عاملًا مستقلّاً في تكوين القيمة التبادليّة. فالمادّة التي بذلت في إنتاجها ساعة من العمل ثمّ استهلكت في عمليّة إنتاج جديدة تعبّر عن عمل ساعة يضاف إلى الكمّية الجديدة من العمل التي يتطلّبها الإنتاج الجديد، وهكذا ينتهي (ريكاردو) إلى أنّ العمل هو الأساس الوحيد للقيمة.
وكان من المنتظر أن يشجب (ريكاردو) الربح الرأسمالي ما دام رأس المال لا يخلق قيمة تبادليّة جديدة، وما دامت السلعة مدينة في قيمتها التبادليّة لعمل العامل فحسب، غير أنّ (ريكاردو) لم يفعل شيئاً من هذا، واعتبر من المنطقي أن تباع السلعة بسعر يعود بعائد صاف لمن يملك رأس المال، وفسّر ذلك بفترة الوقت التي تمضي بين الاستثمار وظهور المنتجات للبيع. وبهذا اعترف بالزمن بوصفه عاملًا آخر لتكوين القيمة التبادليّة. ومن الواضح أنّ هذا يعتبر من ريكاردو تراجعاً عن نظريّته القائلة بأنّ العمل هو الأساس الوحيد للقيمة، وعجزاً عن الاحتفاظ بالنظريّة حتّى النهاية[2].
وأمّا (ماركس) فهو حين عالج عناصر الإنتاج التي تشترك مع العمل في العمليّة الإنتاجيّة والتي عالجها (ريكاردو) من قبله أدخل على أفكار سلفه من ناحية شيئاً من التعديل، وجاء من ناحية اخرى بأفكار جوهريّة لها خطرها.
فمن الناحية الاولى: درس الريع العقاري، فأقرّ تفسير (ريكاردو) له، واستطاع أن يميّز بين الريع التفاضلي الذي تحدّث عنه (ريكاردو) والريع المطلق الذي أثبت عن طريقه أنّ للأرض بمجموعها ريعاً قائماً على أساس الاحتكار
[1] راجع- لنظريّة( ريكاردو) في الريع- كتاب اسس الاقتصاد الحديث: 303- 306
[2] راجع المشكلة الاقتصاديّة: 93