فهل ينطبق هذا الوصف على مفاهيم المادّية التاريخيّة وتفاسير ماركس؟
إنّ الماركسيّة تؤكّد أنّ الانقلاب من مرحلة تاريخيّة إلى اخرى لا يتمّ إلّا بشكل ثوري؛ لأنّ التغيّرات الكمّية التدريجيّة تؤدّي إلى تحوّل دفعي آني، مع أنّ تحوّل اليابان من الإقطاع إلى الرأسماليّة تمّ بشكل سلمي، وتنازل سادة الإقطاع عن حقوقهم، فلم يضطرّوا اليابان- وهي في طريقها الرأسمالي- إلى ثورة كالثورة الفرنسيّة عام (1789 م).
كما أنّ الماركسيّة تعتبر أنّ كلّ تطوّر لا يتمّ إلّامن خلال الصراع الطبقي بين طبقة تقف إلى صفّ التطوّر، واخرى تحاول الوقوف في وجهه، بينما نرى أنّ المجتمع الياباني قد وقف بمجموعه إلى جانب حركة التطوّر الصناعي والرأسمالي، ولم يشذّ عن ذلك حتّى سادة الإقطاع أنفسهم، فقد آمنوا جميعاً بأنّ حياة البلاد رهن هذه الحركة وتنميتها.
والماركسيّة ترى- كما قرأنا في نصوص رأس المال السابقة- أنّ التراكم الرأسمالي الذي تقوم الرأسماليّة الصناعيّة على أساسه لا يمكن أن يفسَّر بطرائق (الغزل البريء) على حدّ تعبير ماركس، وإنّما يفسَّر بأعمال العنف والغزو وعمليّات التجريد والاغتصاب، مع أنّ الواقع التاريخي لليابان يدلّل على العكس. فلم يحدث التراكم الرأسمالي، ولم تنشأ الرأسماليّة الصناعيّة في اليابان نتيجة للغزو والاستعمار أو عمليّات تجريد المنتجين من وسائل إنتاجهم، وإنّما وجدت هذه الحركة بفضل نشاط ساهمت فيه اليابان كلّها، واستخدمت في تنميته السلطة الحاكمة كلّ نفوذها السياسي، فظهرت البورجوازيّة على المسرح الاجتماعي كنتيجة لتلك النشاطات السياسيّة والفكريّة وغيرها، وليس كقوّة خالقة للجوّ السياسي والفكري الذي يلائمها.