الاستعماريّة المسعورة التي ارتكبت فيها ألوان الجرائم في مختلف بقاع الأرض، وبعمليّات تجريد الصنّاع من وسائل إنتاجهم بالقوّة، غير أنّ هذا لا يبرهن علميّاً على أنّ الرأسماليّة لا يمكن أن توجد دون تلك النشاطات والعمليّات، وأ نّها تحمل في أعماقها الضرورة التاريخيّة لهذه النشاطات، الأمر الذي يعني أنّ إنكلترا كان من الضروري أن تشهد تلك النشاطات والعمليّات في مطلع الرأسماليّة ولو كانت تعيش في إطار فكري آخر، بل إنّ التاريخ يبرهن على عكس ذلك، فقد قام الإنتاج الرأسمالي في فلاندرز وإيطاليا في القرن الثالث عشر، ونشأت فيها مؤسّسات رأسماليّة ينتج فيها آلاف من الاجراء سلعاً تغزو الأسواق العالميّة لحساب الملّاك الرأسماليّين، ولم تظهر خلال ذلك الأعراض التي ظهرت في إنكلترا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر التي درسها ماركس في تحليله التاريخي للرأسماليّة.
ولنأخذ مثلًا آخر: الإنتاج الرأسمالي في اليابان التي بدأت في القرن التاسع عشر تتحوّل من الأوضاع الإقطاعيّة إلى الرأسماليّة الصناعيّة، ونختار هذا المثال بالذات؛ لأنّ ماركس أشار في كلامه إشارة عابرة إلى:
«فاليابان بتنظيمها الإقطاعي البحت للملكيّة العقاريّة وللزراعة الصغيرة فيها تقدّم لنا إذن من وجهات عديدة صورة أكثر أمانةً عن العصور الوسطى الاوروبيّة من تلك التي تقدّمها كتب التاريخ عندنا، المشبعة بأفكار بورجوازيّة مسبقة»[1].
فلنفحص هذه الصورة الأمينة للإقطاع: كيف تحوّلت إلى الرأسماليّة الصناعيّة؟ وهل يتّفق تحوّلها مع مفاهيم المادّية التاريخيّة وتفاسير ماركس لنشوء
[1] رأس المال 3، القسم الثاني: 1058