بألفي سنة على يد الفاتحين من الآريّين الفيديّين الذين غزوا الهند وسيطروا عليها وأقاموا فيها تنظيماً طبقيّاً على أساس اللون والدم، ثمّ تطوّر التكوين الطبقي، فانقسمت الطبقة الفاتحة الحاكمة إلى طبقة (الكشاترية) المتميّزة بكفاءتها العسكرية وبراعتها في القتال، وطبقة (البراهمة) القائمة على أساس ديني، وظلّت الفئات الاخرى كلّها محكومة لهاتين الطبقتين، بما فيها التجّار والصنّاع الذين كانوا يملكون وسائل الإنتاج. واحتلّت القبائل الوطنيّة التي ظلّت متمسّكة بدينها أدنى الدرجات في السلّم الاجتماعي، وتكوّنت منها طبقة المنبوذين. فلم يكن للملكيّة أثر في هذا التكوين الطبقي الذي ظلّ يمارس وظيفته الاجتماعية مئات السنين في القارّة الهنديّة قائماً على اسس عسكريّة ودينية وعنصريّة، ولم يشفع للتجّار والصنّاع ملكيّتهم لوسائل الإنتاج كي يرتقوا إلى مصافِّ الطبقات الحاكمة أو ينافسوها في سلطانها السياسي والديني؟![1].
وأخيراً كيف نفسّر قيام الطبقة الإقطاعيّة في اوروبا الغربيّة نتيجة للفتح الجرماني إذا لم نفسّره تفسيراً عسكريّاً وسياسياً؟! فإنّنا جميعاً نعلم- وحتّى أنجلز نفسه فقد كان يعترف أيضاً- بأنّ القوّاد الفاتحين الذين تكوّنت منهم تلك الطبقة لم يكن مقامهم الاجتماعي ناتجاً عن الملكيّة الإقطاعيّة، وإنّما تكوّنت ملكيّتهم الإقطاعيّة هذه تبعاً لدرجتهم الاجتماعيّة، وامتيازاتهم العسكريّة والسياسيّة الخاصّة بوصفهم غزاة فاتحين دخلوا أرضاً واسعة وتقاسموها فكانت الملكيّة أثراً، ولم تكن هي العامل المؤثّر.
وهكذا نجد عناصر غير ماركسيّة وننتهي إلى نتائج غير ماركسيّة لدى تحليل كثير من التركيبات الطبقيّة في المجتمعات البشريّة المختلفة.
[1] راجع قصّة الحضارة 3: 19- 24