ومن المفيد بهذا الصدد أن نعلم أنّ الثورة العلمية في الكيمياء التي قام بها (لافوازيه[1]) لم يقبلها الناس عامّة إلّافي نهاية القرن الثامن عشر[2]، وقد استطاعت الفنون العمليّة خلال ذلك إجراء تحسينات في صناعة الحديد، وصناعة الفولاذ قبل أن يعرف هؤلاء الفنّانون الفروق الكيمياوية الأصليّة بين الحديد والصلب، والحديد المطاوع، والفولاذ، تبعاً لاختلاف نسبة الكربون فيها.
وهذا الانفصال بين خطّ التفكير العلمي والخبرة البحتة في الفنون العملية ردحاً من الزمن يعني أنّ للعلم تاريخه الفكري، وليس نتاجاً لحاجات الإنتاج المتجدّدة واستجابةً لمستلزماتها الفنّية فحسب.
وأمّا ما لاحظه غارودي من أنّ كشفاً علميّاً واحداً قد يصل إليه عدّة علماء في وقت واحد فهو لا يبرهن على أنّ الكشوف العلمية دائماً وليدة الظروف التكنيكية لوسائل الإنتاج، كما شاءت الماركسية أن تستنتجه من هذه الظاهرة زاعمة: أنّ الظروف الاقتصادية والمادّية حين تسمح لقوى الإنتاج بطرح قضيّة جديدة على العلماء، وتدفعهم إلى التفكير في حلّها يصل هؤلاء العلماء إلى الكشف المطلوب في أوقات متقاربة؛ لأنّ القوّة الدافعة لهم قد وجدت في وقت واحد من خلال تطوّر الإنتاج.
ولكنّ هذا ليس هو التفسير الوحيد الممكن لهذه الظاهرة، بل من الممكن تفسيرها عن طريق تشابه اولئك العلماء في الخبرة والشروط الفكريّة والسيكولوجيّة والمستوى العلمي العامّ.
[1] اسمه أنطوان لوران لافوازيه( 1743- 1794 م)، كيميائي فرنسي يعتبر مؤسس الكيمياء الحديثة. المورد 6: 97
[2] انظر قصّة الحضارة 37: 190- 196