وقد يتّفق للعلم أن يسبق بفتوحه الحاجة الاجتماعية إذا استكمل الشروط الفكريّة للفتح الجديد، فالقوّة المحرّكة للبخار هي من حاجات المجتمع الرأسمالي في رأي الماركسية ولكنّ العلم قد اكتشفها- بالرغم من ذلك- في القرن الثالث الميلادي[1] قبل أن تظهر طلائع الرأسمالية الصناعية على مسرح التأريخ بأكثر من عشرة قرون. صحيح أنّ المجتمعات القديمة لم تستثمر هذه القوّة البخارية، ولكنّنا لا نتحدّث عن مدى قدرة المجتمع على الاستفادة من العلوم، وإنّما نبحث الحركة العلمية نفسها، وندرس ما إذا كانت تعبيراً عقلياً عن الحاجة الاجتماعية المتجدّدة بدورها أو حركة أصيلة لها شروطها السيكولوجية وتاريخها الخاصّ.
ج- والماركسية حين تحاول أن تقصر نطاق العلم على القضايا والمشاكل التي تضعها وسائل الإنتاج وأوضاعها التكنيكية أمامها تقع في خلط بين العلوم الطبيعية النظريّة من ناحية، والفنون العملية من ناحية اخرى. فالفنون العملية الصناعية التي نبعت من خلال التجارب والخبرات الاعتيادية التي حصل عليها رجال الأعمال وتوارثوها كانت تسخر دائماً لحساب القوى المنتجة، وتنمو تبعاً لما تقدّمه هذه القوى من مسائل ومشاكل تتطلّب منهم الجواب عنها أو التغلّب عليها. وأمّا العلوم النظريّة التجريبية فلم تكن وقفاً على تلك المسائل والمشاكل، بل إنّنا نجد أنّ التطوّر العلمي النظري والتطوّر الفنّي العملي سارا لفترة كبيرة من الزمن في خطّين منفصلين، وذلك منذ القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر.
فقد مضى على الفنون العملية- بعد ميلاد العلم في القرن السادس عشر- قرنان قبل أن تتهيّأ لها الاستفادة من العلم، وبقي الحال على هذا تقريباً حتّى بدأت صناعة الكهرباء سنة (1870 م).
[1] الروح الحزبيّة في الفلسفة والعلوم: 12