(فرنسيس بيكون)، وعلى يد (الاسميين)[1].
ولكنّا نعلم جميعاً أنّ (بيكون) لم يكن فيلسوفاً مادّياً، بل كان غارقاً في المثالية، وإنّما دعا إلى التجربة فقط، وشجّع الطريقة التجريبية في البحث. وأمّا (الاسميون) الإنجليز فلئن كانت (الاسمية) لوناً فكرياً من الإعداد للمادّية فقد سبق إلى هذا اللون من التفكير الفلسفي اثنان من الفلاسفة الفرنسيين في مطلع القرن الرابع عشر: أحدهما: (دوران دي سان بورسان)، والآخر: (بيير اوريول).
وإذا أردنا أن نفتّش بصورة أعمق عن المقدّمات الفكريّة التي مهّدت للاتّجاه المادّي فسوف نجد قبل (الاسمية) الحركة (الرشدية اللاتينية) في الفلسفة، التي ظهرت في القرن الثالث عشر في فرنسا، وتشيّع لها معظم أساتذة كلّية الفنون بباريس، وعلى يدهم فُصلت الفلسفة عن الدين، وبدأت تتّجه إلى إنكار المسلّمات الدينية[2].
وأمّا الاتّجاه المادّي في شكله الصريح فهو وإن كشف عن نفسه في شخص أو أشخاص معدودين في إنكلترا نظير (هوبز) ولكنّ هذا الاتّجاه لم يستطع أن يسيطر على الموقف الفلسفي في إنكلترا، أو يستلم الزمام من الفلسفة المثالية، بينما أثار أكبر عاصفة مادّية على المسرح الفلسفي في فرنسا، حتّى غرقت فرنسا في الاتّجاهات المادّية. وبينما كانت فرنسا الفكرية تحتفل ب (فولتير) و (ديدرو) وأمثالهما من أئمة المادية في القرن الثامن عشر نجد إنكلترا زاخرة بأعمق وأفظع مثالية فلسفية على يد (جورج باركلي) و (ديفيد هيوم) المبشّرَين الأساسيَّين
[1] التفسير الاشتراكي للتاريخ: 76
[2] راجع ابن رشد والرشديّة: 271- 287