وعملية تغيير كهذه يقوم بها عدد من الناس لا يمكن أن توجد تأريخياً ما لم تسبقها شروط معيّنة، يمكن تلخيصها في أمرين جوهريين:
أحدهما: الفكر، فإنّ الكائن الحيّ لا يستطيع أن يغيّر من شكل الطبيعة بقصد إشباع حاجاته، فيجعل الحنطة دقيقاً أو الدقيق خبزاً .. ما لم يكن يملك فكراً عن الشكل الذي سوف يمنحه للطبيعة، فعملية التغيير لا يمكن أن تنفصل بحال عن التفكير فيما ستتمخّض عنه العملية من أشكال وأوضاع للطبيعة لا تزال في ابتداء العمل غيبية. ولأجل هذا لم يكن من الممكن للحيوان أن يقوم بعملية إنتاج، عملية تغيير حاسم للطبيعة.
والأمر الآخر: هو اللغة بوصفها المظهر المادي للفكر الذي يتيح للمشتركين في عملية الإنتاج أن يتفاهموا، ويتّخذوا موقفاً موحّداً خلال العملية، فما لم يملك كلّ منتجٍ أداة للتعبير عن فكره وتفهّم أفكار شركائه في العمل لا يستطيع أن ينتج.
وهكذا نجد بوضوح أنّ الفكر- بأيّ درجة كان- يجب أن يسبق عملية الإنتاج، وأنّ اللغة ليست نابعة من عملية الإنتاج، كما تنبع كلّ العلاقات والظواهر التأريخية في زعم الماركسية .. وإنّما تنبع من الحاجة إلى تبادل الأفكار بوصفها المظهر المادي للفكر. فلم تنشأ اللغة- إذن- من القاعدة الرئيسية المزعومة، من عملية الإنتاج بالرغم من أ نّها أهمّ ظاهرة اجتماعية على الإطلاق .. وإنّما كانت هي الشرط الضروري تأريخياً في وجود هذه القاعدة المزعومة.
وأكبر دليل يمكننا أن نقدّمه على ذلك هو استقلال اللغة في تطوّرها عن الإنتاج وقواه. فلو كانت اللغة وليدة الإنتاج، وليدة القاعدة المزعومة لتطوّرت وتغيّرت تبعاً لتطوّر أشكال الإنتاج وتغيّرها، كما تتغيّر تبعاً لذلك جميع الظواهر والعلاقات الاجتماعية في رأي الماركسية، ولا يوجد ماركسي واحد- وحتّى