ولماذا لا تكون هذه العوامل هي القوّة العليا التي تتحكّم في التأريخ بدلًا عن القوى المنتجة الخاضعة لتلك العوامل في نموّها وتكاملها؟
وقد اعتاد الماركسيون أن يجيبوا على هذا السؤال: بأنّ الأفكار التي يستفيدها الإنسان خلال ممارسة قوى الطبيعة وتنشأ عنها هي التي تطوّر بدورها هذه القوى وتعمل في تنميتها، فالأسباب التي تطوّر قوى الإنتاج نابعة منها، وليست قوى تعمل بصورة مستقلّة عنها أو في درجة أعلى منها. وتعتقد الماركسية أ نّها تقدّم في هذا التأثير المتبادل- بين قوى الإنتاج والأفكار المنبثقة عنها خلال ممارستها- صورة ديالكتيكية لتطوّر الإنتاج تعبّر عن حركة تكامل ديالكتيكية للقوى المنتجة بوصفها تولِّد دائماً الأفكار الجديدة، ثمّ تعود لتنمو ضمنها وتتكامل.
وهذا الوصف الديالكتيكي لتطوّر القوى المنتجة يقوم على أساس مفهوم خاصّ للتجربة، يجعل منها المموّن الأساسي الوحيد للإنسان بالأفكار والآراء.
فتصبح العلاقة بين قوى الطبيعة المنتجة التي يجرّبها الإنسان وبين أفكاره وآرائه عن الكون وحقائقه علاقة علّة بمعلول ينشأ عن علّته، ثمّ يتفاعل معها فيزيدها ثراءً واغتناءً. ولكنّنا يجب أن لا ننسى النتائج التي استخلصناها من دراستنا لنظرية المعرفة في (فلسفتنا)، فقد برهنت تلك النتائج على أنّ التجارب الطبيعية لا تقدّم إلى الإنسان إلّاالموادّ الخام، ولا تتحفه إلّابالتصوّرات الحسّية لمضمون التجربة. وهذه الموادّ والتصوّرات تبقى غير ذات معنى لو لم تصادف في ذهن معيّن الشروط الطبيعية والسيكولوجية الخاصّة، وهو ذهن الإنسان الذي يملك- دون سائر الحيوانات التي تشترك معه في التصوّر والإحساس- قدرة عقلية على الاستنتاج والتحليل، ومعارف ضرورية لا تخضع للتجربة يأخذ الإنسان بتطبيقها على الموادّ الخام التي يستوردها عن طريق التجربة فينتهي إلى نتائج