وأمّا في التوصّليات فلا يحرم الرياء، ولا يبطل العمل، فمن أنفق على الفقراء ووصل أرحامه وبرّ والديه لا لشيء إلّا من أجل الحصول على ثنائهم وحبّهم، أو من أجل أن يصبح مشهوراً بين الناس بحسن السلوك يقع العمل صحيحاً، ولا يعتبر آثماً، ولكن يفوته رضوان من الله أكبر.
(9) الرياء إذا حصل للإنسان بعد الفراغ من عبادته، بأن صلّى- مثلا- ثمّ حاول أن يتحدّث وينوِّه بذلك لكسب رضا الناس وثنائهم لا يبطل بذلك العمل.
(10) وإذا كان المكلّف مُقدِماً على العبادة من أجل الله سبحانه وتعالى مخلصاً له في نيته، ولكنّه كان مذموماً لدى الناس ومتّهماً بعدم التديّن فحاول التظاهر بعبادته تلك أمام الآخرين ليدفع عنه التهمة جاز ذلك وصحّت عبادته.
(11) ويكره للإنسان- ولا يحرم- أن يتحدّث إلى الآخرين بما يقوم به من طاعات وعبادات فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى[1].
ويستثنى من ذلك ما إذا كان يحتمل نفع الآخرين دينياً بهذا الحديث؛ لما فيه من ترغيب لهم في الطاعة وكان هذا الاحتمال هو الدافع.
(12) ولا ضير على الإنسان إذا عبد ربّه فاطّلع على ذلك غيره صدفةً، فشعر العابد بالسرور لاطّلاع الغير على عبادته وطاعته فإنّ شعوره هذا لا كراهة فيه، ولا ينقص من قدره.
(13) وليس من الرياء أن يتعبّد الإنسان أو يحسن عبادته بدافع ترغيب الآخرين في الطاعة، ومجاراته أو تقريب دينه ومذهبه إلى قلوبهم، ولكن على أن يكون الدافع هو ذلك فقط، لا إعلاء شأنه وتقريب شخصه بوصفه الخاصّ إلى
[1] النجم: 32.