ولم يسمح بذلك لأدوات الإنتاج؟ وكيف حُرمت أدوات الإنتاج من هذا اللون من الكسب، بينما اتيح لصاحب المال التجاري أو صاحب الأرض أو صاحب الشجر أن يحصل عليه؟
والحقيقة أنّ الفرق بين العمل وأدوات الإنتاج الذي يسمح للعمل بالمشاركة في الناتج دون وسائل الإنتاج ينبع من نظريّة توزيع ما قبل الإنتاج، فقد عرفنا في تلك النظريّة أنّ العمل- ممارسة أعمال الانتفاع والاستثمار- هو السبب العامّ للحقوق الخاصّة في ثروات الطبيعة الخام، ولا يوجد من وجهة نظر المذهب الاقتصادي سبب آخر للملكيّة واكتساب الحقّ الخاصّ فيها. كما عرفنا أيضاً أنّ الثروة الطبيعيّة إذا اكتسب فيها الفرد حقّاً خاصّاً بممارسة العمل ظلّ حقّه ثابتاً ما دام نوع العمل الذي اكتسب على أساسه الحقّ باقياً.
وفي هذه الحال لا يسمح لفرد آخر باكتساب حقّ خاصّ في تلك الثروة بإنفاق عمل جديد كما شرحته نظريّة توزيع ما قبل الإنتاج بكلّ تفصيل، ولكنّ هذا لا يعني أنّ العمل الجديد يختلف بطبيعته عن العمل الأوّل، بل إنّ كلّاً منهما يعتبر بمفرده سبباً كافياً لتملّك العامل للمادّة التي عمل فيها، وإنّما جُرّد العمل الجديد من التأثير باعتبار سبق العمل الأوّل زمنيّاً وتأثيره قبل ذلك في تملّك العامل الأوّل للمادّة، فحقّ العامل الأوّل بسبب سبقه الزمني هو الذي يعزل العمل الثاني عن التأثير؛ ولأجل هذا يصبح من الطبيعي أن يستعيد العمل الثاني تأثيره ويؤدّي مفعوله إذا تخلّى العامل عن حقّه، وهذا هو ما يحدث تماماً في عقود المزارعة والمساقاة والمضاربة والجعالة، ففي عقد المزارعة مثلًا ينفق العامل جهداً ويمارس عملًا في استغلال البذر وتطويره إلى زرع، وهذا العمل الذي يمارسه إنّما لا يعطيه حقّ ملكيّة الزرع؛ لأنّ المادّة التي يمارس عمله فيها- البذر- مملوكة لشخص سابق وهو صاحب الأرض، فإذا سمح صاحب الأرض