ميدان البحث التأريخي، ولا أن تتحرّر من المثالية في مفاهيمها التأريخية تحرّراً نهائياً.
والحقيقة هي: أنّ المادية بمفهومها الفلسفي تعني أنّ المادّة بظواهرها المتنوّعة هي الواقع الوحيد، الذي يشمل كلّ ظواهر العالم وألوان الوجود فيه، وليست الروحيات وكلّ ما يدخل في نطاقها من أفكار ومشاعر وتجريدات إلّا نتاجاً مادياً، وحصيلة للمادة في درجات خاصّة من تطوّرها ونموّها. فالفكر مهما بدا رفيعاً وعالياً عن مستوى المادة فهو لا يبدو في منظار المادية الفلسفية إلّا نتاجاً للنشاط الوظيفي للدماغ. ولا يوجد واقع خارج حدود المادة ووجوهها المختلفة، وليست هي بحاجة إلى أيّ معنى لا مادّي.
فأفكار الإنسان ومحتوياته الروحية، والطبيعة التي يمارسها على أساس هذا المفهوم الفلسفي ليست كلّها إلّاأوجهاً مختلفة للمادة وتطوّراتها ونشاطاتها.
هذه هي المادية الفلسفية ونظرتها العامة إلى الإنسان والكون. ولا يختلف في حساب هذه النظرة الفلسفية أن يكون الإنسان نتاجاً للشروط المادية والقوى المنتجة، أو أن تكون شروط الإنتاج وقواه نتاجاً للإنسان. فما دام الإنسان وأفكاره والطبيعة وقواها المنتجة كلّها ضمن حدود المادّة- كما تزعم المادية الفلسفية- فلا يضيرها من ناحية فلسفية أن يبدأ التفسير التأريخي بأيّ حلقة من الحلقات، فيعتبرها الحلقة الاولى في التسلسل الاجتماعي. فكما يصحّ أن نبدأ بالأداة المنتجة، فنسبغ عليها صفة الالوهية للتأريخ، ونعتبرها السبب الأعلى لكلّ التيارات التأريخية كذلك يمكن- من وجهة النظر المادية الفلسفية- أن نبدأ بالإنسانية بصفتها نقطة الابتداء في تفسير التأريخ، فكلاهما في حساب المادية الفلسفية سواء.
وبهذا يتّضح أنّ الاتجاه المادي في الفلسفة- الذي يفسّر الإنسان والطبيعة