وعمليّة التجريد هذه تتّخذ شكلين:
[الشكل الأوّل:] ففي بعض الأحيان يجد الممارس نفسه يعيش واقعاً عامراً بسلوك اقتصادي معيّن، ويحسّ بوضوح هذا السلوك وأصالته وعمقه إلى درجة يتناسى العوامل التي ساعدت على إيجاده، والظروف الموقّتة التي مهّدت له، فيخيّل له أنّ هذا السلوك أصيل وممتدّ في التاريخ إلى عصر التشريع، بينما هو وليد عوامل وظروف معيّنة حادثة، أو من الممكن أن يكون كذلك على أقلّ تقدير. ولنذكر لذلك على سبيل المثال: الإنتاج الرأسمالي في الأعمال والصناعات الاستخراجيّة فإنّ الواقع اليوم يغصّ بهذا اللون من الإنتاج الذي يتمثّل في عمل اجراء يستخرجون الموادّ المعدنيّة من ملح أو نفط، ورأسمالي يدفع إليهم الاجور، ويعتبر نفسه لأجل ذلك مالكاً للمادّة المستخرجة. وعقد الإجارة- هذا الذي يقوم بين الرأسمالي والعمّال- يبدو الآن طبيعيّاً في مضمونه ونتائجه الآنفة الذكر- أي تملّك العامل للُاجرة، وتملّك الرأسمالي للمادّة- إلى درجة قد تتيح للكثير أن يتصوّروا هذا النوع من الاتّفاق قديماً بقِدَم اكتشاف الإنسان للمعادن واستفادته منها، ويؤمنون على أساس هذا التصوّر بأنّ هذا النوع من الإجارة كان موجوداً في عصر التشريع. ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك:
التفكير في الاستدلال على جواز هذه الإجارة، وتملّك الرأسمالي للمادّة المستخرجة .. بدليل التقرير، فيقال: إنّ سكوت الشريعة عن هذه الإجارة وعدم نهيها عنها دليل على سماح الإسلام بها.
ولا نريد هنا أن نقول شيئاً عن هذه الإجارة ومقتضياتها من الناحية الفقهيّة، ولا عن أقوال الفقهاء الذين يشكّون فيها أو في مقتضياتها .. فإنّنا سوف ندرس الحكم الشرعي لهذه الإجارة ومقتضياتها بكلّ تفصيل في بحث مقبل، ونستعرض