ما يطلق عليه في البحث الفقهي اسم (العرف العامّ) أو (السيرة العقلائيّة). ومردّه في الحقيقة إلى اكتشاف موافقة الشريعة على سلوك عامّ معاصر لعهد التشريع عن طريق عدم ورود النهي عنه في الشريعة؛ إذ لو لم تكن الشريعة موافقة على ذلك السلوك الذي عاصرته لنهت عنه. فعدم النهي دليل الموافقة.
ويتوقّف هذا الاستدلال من الناحية الفقهيّة على عدّة امور:
فأوّلًا: يجب التأكّد من وجود ذلك السلوك تاريخيّاً في عصر التشريع؛ إذ لو كان السلوك متأخّراً زمنيّاً عن عصر التشريع لم يكن سكوت الشريعة عنه دليلًا على رضاها به، وإنّما يستكشف الرضا من السكوت إذا عاش السلوك عصر التشريع.
وثانياً: يجب التأكّد من عدم صدور النهي من الشريعة عن ذلك السلوك، ولا يكفي عدم العلم بصدوره، فما لم يجزم الباحث بعدم صدور النهي ليس من حقّه أن يستكشف سماح الإسلام بذلك السلوك ما دام من المحتمل أن تكون الشريعة قد نهت عنه.
وثالثاً: يجب أخذ جميع الصفات والشروط الموضوعيّة المتوفّرة في ذلك السلوك بعين الاعتبار؛ لأنّ من الممكن أن يكون لبعض تلك الصفات والشروط أثر في السماح بذلك السلوك وعدم تحريمه، فإذا ضبطنا جميع الصفات والشروط التي كانت تكتنف ذلك السلوك الذي عاصر التشريع أمكننا أن نستكشف من سكوت الشريعة عنه سماحها بذلك السلوك متى ما وُجد ضمن تلك الصفات والشروط التي ضبطناها.
نستطيع الآن في ضوء هذا الشرح أن نفهم كيف يتسرّب العنصر الذاتي إلى هذا الدليل متمثّلًا في تجريد السلوك من ظروفه وشروطه.