فالمفاهيم إذن وجهات نظر وتصوّرات إسلاميّة في تفسير الكون وظواهره أو المجمع وعلاقاته، أو أيّ حكم من الأحكام المشترعة، وهي لذلك لا تشتمل على أحكام بصورة مباشرة، ولكنّ قسماً منها بالرغم من ذلك ينفعنا في محاولتنا للتعرّف على المذهب الاقتصادي في الإسلام، وهو ذلك القسم من المفاهيم الإسلاميّة الذي يتّصل بالحياة الاقتصاديّة وظواهرها أو بأحكام الإسلام المشترعة فيها.
ولكي نوضّح بشكلٍ عامّ الدور الذي يمكن أن يؤدّيه هذا القسم من المفاهيم في سبيل تحديد معالم المذهب الاقتصادي في الإسلام يجب أن نتعجّل النتائج التي سوف يسجّلها بعض البحوث الآتية، وأن نستعير من تلك البحوث مفهومين إسلاميّين دخلا في عمليّة اكتشاف المذهب التي يمارسها هذا الكتاب.
وأحد هذين المفهومين هو: مفهوم الإسلام عن الملكيّة القائل بأنّ اللَّه تعالى استخلف الجماعة على المال والثروة في الطبيعة، وجعل من تشريع الملكيّة الخاصّة اسلوباً يحقّق ضمنه الفرد متطلّبات الخلافة، من استثمار المال وحمايته وإنفاقه في مصلحة الإنسان، فالملكيّة عمليّة يمارسها الفرد لحساب الجماعة، ولحسابه ضمن الجماعة.
والمفهوم الآخر الذي نستعيره من البحوث المقبلة هو: رأي الإسلام في التداول بوصفه ظاهرة مهمّة من ظواهر الحياة الاقتصاديّة، فإنّه يرى أنّ التداول بطبيعته الأصيلة يشكّل شعبة من الإنتاج، فالتاجر حين يبيع منتجات غيره يساهم بذلك في الإنتاج؛ لأنّ الإنتاج دائماً هو إنتاج منفعة وليس إنتاج مادّة، لأنّ المادّة لا تخلق من جديد، والتاجر بجلبه للسلعة المنتجة وإعدادها في متناول أيدي المستهلكين يحقّق منفعة جديدة، بل لا منفعة للسلعة بالنسبة إلى المستهلكين بدون ذلك الإعداد. وكلّ اتّجاه في التداول يبعده عن واقعه الأصيل هذا ويجعله