الشخصيّة الإسلاميّة ضمنها، حين يعطى فرصة مباشرة واقع الحياة وصنع التاريخ على أساسه .. إنّ لتلك الإطارات قوّتها المعنويّة الهائلة، وتأثيرها الكبير في التحديد ذاتيّاً وطبيعيّاً من الحرّية الممنوحة لأفراد المجتمع الإسلامي، وتوجيهها توجيهاً مهذّباً صالحاً دون أن يشعر الأفراد بسلب شيء من حرّيتهم؛ لأنّ التحديد نبع من واقعهم الروحي والفكري، فلا يجدون فيه حدّاً لحرّياتهم؛ ولذلك لم يكن التحديد الذاتي تحديداً للحرّية في الحقيقة، وإنّما هو عمليّة إنشاء للمحتوى الداخلي للإنسان الحرّ إنشاءً معنويّاً صالحاً، حيث تؤدّي الحرّية في ظلّه رسالتها الصحيحة.
وقد كان لهذا التحديد الذاتي نتائجه الرائعة وآثاره الكبيرة في تكوين طبيعة المجتمع الإسلامي ومزاجه العامّ، وبالرغم من أنّ التجربة الإسلاميّة الكاملة كانت قصيرة الأمد فقد آتت ثمارها، وفجّرت في النفس البشريّة إمكاناتها المثاليّة العالية، ومنحتها رصيداً روحيّاً زاخراً بمشاعر العدل والخير والإحسان. ولو قدّر لتلك التجربة أن تستمرّ وتمتدّ في عمر الإنسانيّة أكثر ممّا امتدّت في شوطها التاريخي القصير لاستطاعت أن تبرهن على كفاءة الإنسانيّة لخلافة الأرض، ولصنعت عالماً جديداً زاخراً بمشاعر العدل والرحمة، واجتثّت من النفس البشريّة أكثر ما يمكن استئصاله من عناصر الشرّ ودوافع الظلم والفساد.
وناهيك من نتائج التحديد الذاتي أ نّه ظلّ وحده هو الضامن الأساسي لأعمال البرّ والخير في مجتمع المسلمين منذ خسر الإسلام تجربته للحياة وفقد قيادته السياسيّة وإمامته الاجتماعيّة، وبالرغم من ابتعاد المسلمين عن روح تلك التجربة والقيادة بُعداً زمنيّاً امتدّ قروناً عديدة، وبُعداً روحيّاً يقدّر بانخفاض مستوياتهم الفكريّة والنفسيّة، واعتيادهم على ألوان اخرى للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، بالرغم من ذلك كلّه فقد كان للتحديد الذاتي- الذي وضع الإسلام