كما أنّ من الخطأ أيضاً- وقد عرفنا أنّ العامل الاقتصادي ليس هو العامل الأساسي في المجتمع- الطريقة التي اتّخذها ماركس في تحليل المجتمع الرأسمالي والكشف عن عوامل الدمار فيه؛ إذ اعتبر جميع النتائج التي تكشّف عنها المجتمع الرأسمالي على مسرح التاريخ وليدة مبدأٍ أساسي لهذا المجتمع، وهو مبدأ الملكيّة الخاصّة، فكلّ مجتمع يؤمن بالملكيّة الخاصّة يسير حتماً في الاتّجاه التاريخي الذي سار فيه المجتمع الرأسمالي، ويمنى بنفس النتائج والتناقضات.
وهكذا أرى من الضروري لتصفية الحساب مع موقف الماركسيّة من المجتمع الرأسمالي أن نؤكّد دائماً على هاتين الحقيقتين:
أوّلًا: أنّ الهدف المذهبي للباحثين المسلمين في الاقتصاد لا يفرض عليهم أن يصحّحوا أوضاع المجتمع الرأسمالي ويتنكّروا للحقائق المُرّة التي تعصف به.
وثانياً: أنّ الواقع التاريخي للمجتمع الرأسمالي الحديث لا يمكن أن يعتبر صورة صادقة لكلّ مجتمع يسمح بالملكيّة الخاصّة لوسائل الإنتاج، ولا أن تعمّم النتائج التي ينتهي إليها الباحث من درسه المجتمع الرأسمالي الحديث على كلّ مجتمع آخر يتّفق معه في القول بالملكيّة الخاصّة وإن اختلفت معه في الإطارات والحدود.
وإنّما أدانت الماركسيّة مبدأ الملكيّة الخاصّة بكلّ النتائج التي تمخّض عنها المجتمع الرأسمالي، تجاوباً مع فكرتها الأساسيّة في تفسير التاريخ القائلة بأنّ العامل الاقتصادي الذي تعبّر عنه نوعيّة الملكيّة السائدة في المجتمع هو حجر الزاوية في الكيان الاجتماعي كلّه. فكلّ ما يحدث في المجتمع الرأسمالي تنبع جذوره الواقعيّة من القاعدة الاقتصاديّة، من الملكيّة الخاصّة لوسائل الإنتاج.
فتزايد البؤس وشبكات الاحتكار وفظائع الاستعمار وجيوش العاطلين من العمل