طرداً مع أهمّية المنفعة التي تؤدّيها السلعة، فكلّما كانت السلعة أعظم منفعةً كانت الرغبة فيها أكثر. وتتناسب درجة الرغبة عكسيّاً مع مدى إمكانيّة الحصول على السلعة، فكلّما توفّرت إمكانات الحصول على السلعة أكثر تنخفض درجة الرغبة في السلعة، وبالتالي تهبط قيمتها. ومن الواضح أنّ إمكانيّة الحصول على السلعة تتبع الندرة والكثرة، فقد يكون الشيء كثيراً ومتوفّراً بصورة طبيعيّة إلى الدرجة التي تجعل من الممكن الحصول عليه من الطبيعة دون جهد، كالهواء، وفي هذه الحالة تبلغ القيمة التبادليّة درجة الصفر؛ لانعدام الرغبة، ومهما قلّت إمكانيّة الحصول على الشيء تبعاً لقلّة وجوده أو صعوبة إنتاجه ازدادت الرغبة فيه وتضخّمت قيمته[1].
[1] وهذا العرض أكثر انطباقاً على الواقع من نظريّة المنفعة الحدّية القائمة على قانون تناقص المنفعة، وهي النظريّة التي تقدّر قيمة السلعة على أساسٍ ما للوحدة الأخيرة من وحدات السلع من قدرة على إشباع الرغبة. والوحدة الأخيرة هي أقلّ الوحدات إشباعاً للرغبة؛ نظراً إلى تناقص الرغبة بالإشباع التدريجي، فتحدّد قيمة كلّ الوحدات طبقاً لما تتيحه الوحدة الأخيرة من إشباع؛ ولهذا كانت كثرة السلعة سبباً في تناقص المنفعة الحدّية وانخفاض قيمتها بوجه عامّ.
وهذه النظريّة لا تفسّر الواقع تماماً؛ لأنّها لا تنطبق على بعض الحالات التي قد يكون استهلاك الوحدة الاولى من السلعة أو الوحدات الاولى سبباً لزيادة الرغبة وشدّة الحاجة إلى استهلاك وحدات جديدة، كما يتّفق ذلك في الموادّ التي يسرع الاعتياد عليها. فلو صحّت نظريّة المنفعة الحدّية لكان من نتيجتها أن تزداد القيمة التبادليّة في مثل هذه الحالة بزيادة الوحدات المعروضة من السلعة؛ لأنّ الرغبة أو الحاجة حال استهلاك الوحدة الثانية أشدّ من الرغبة أو الحاجة حال استهلاك الوحدة الاولى، مع أنّ الواقع العامّ يدلّ على العكس، وهذا يدلّ على أنّ المقياس العامّ للقيمة ليس هو الدرجة التي يحسّها الإنسان من الحاجة إلى الإشباع عند استهلاك الوحدة الأخيرة، بل إنّ درجة إمكانيّة الحصول هي التي تحدّد- مع نوعيّة المنفعة وأهمّيتها- قيمة السلعة.( المؤلّف قدس سره)