جوهري من هذه الناحية. فالزراعة البسيطة والصناعة اليدويّة هما الشكلان الرئيسيان للإنتاج في مختلف تلك المجتمعات. ومعنى ذلك في العرف الماركسي أنّ القاعدة التي تقوم عليها هذه المجتمعات كلّها واحدة، وبالرغم من ذلك فإنّها تختلف اختلافاً كبيراً في مستوياتها العلميّة، فلو كانت أشكال الإنتاج وأدواته هي العامل الأساسي الذي يحدّد لكلّ مجتمع محتواه العلمي، ويطوّر الحركة العلمية وفقاً لدرجته التاريخية لَما وجدنا تفسيراً لهذا الاختلاف ولا مبرّراً لازدهار العلم في مجتمع دون مجتمع ما دامت القوّة الرئيسية التي تصنع التاريخ واحدة في الجميع.
فلماذا اختلف المجتمع الاوروبي في القرون الوسطى مثلًا عن المجتمعات الإسلامية في الأندلس والعراق ومصر، مع اشتراكها في نوعيّة القاعدة؟ وكيف ازدهرت في المجتمعات الإسلامية الحركة العلمية في مختلف الحقول بدرجة عالية نسبيّاً، ولم يوجد لها أيّ تباشير في اوروبا الغربية التي هالها ما رأته في حروبها الصليبية من علوم المسلمين ومدنيّتهم؟
ولماذا استطاعت الصين القديمة وحدها أن تخترع الطباعة[1]، ولم تتوصّل إليها سائر المجتمعات إلّاعن طريقها؟ فقد أخذ المسلمون هذه الصناعة عن الصينيّين في القرن الثامن الميلادي، ثمّ أخذتها اوروبا عن المسلمين في القرن الثالث عشر، فهل كانت القاعدة الاقتصاديّة التي قامت عليها الصين القديمة تختلف في جوهرها عن قاعدة المجتمعات الاخرى؟!
ب- إنّ الجهود العلمية وإن كانت تعبّر في كثير من الأحايين عن حاجة مادّية اجتماعية تتطلّب الإبداع ولكنّ هذه الحاجة لا يمكن أن تكون هي التفسير
[1] دائرة معارف القرن العشرين 5: 623