الاشتراكية، فلماذا تبذل هذه الجهود الجبّارة من الماركسيين في سبيل تكتيل أكبر عدد ممكن لشنّ ثورة فاصلة على الرأسمالية؟ ولِمَ لا يدع الماركسيون قوانين التأريخ تعمل فتكفيهم هذه المهمّة الشاقّة؟
الثانية: أنّ كلّ إنسان يحسّ- بالضرورة- أنّ له دوافع اخرى لا تمتّ إلى الطابع الاقتصادي بصلة، بل قد يضحّي في سبيلها بمصالحه الاقتصادية وبحياته كلّها في بعض الأحايين، فكيف يعتبر العامل الاقتصادي هو المحرّك للتأريخ؟!
ومن حقّ البحث العلمي الموضوعي أن نسجّل رأينا في هاتين المناقشتين بوضوح، فهما تعبّران عن عدم استيعاب المفهوم الماركسي للتأريخ أكثر ممّا تعبّران عن خطأ المفهوم نفسه.
ففيما يتّصل بالمناقشة الاولى يجب أن نعرف موقف الماركسية من الثورة.
فإنّها لا تعتبر الثورة والجهود التمهيدية التي تبذل في سبيلها شيئاً منفصلًا عن قوانين التأريخ، بل هي جزء من تلك القوانين التي يجب- علمياً- أن توجد كي ينتقل التأريخ من مرحلة إلى مرحلة اخرى فالثوريون حين يتجمّعون في سبيل الثورة إنّما يعبّرون بذلك عن الحتمية التأريخية.
ونحن حين نقرّر هذا نعلم أنّ الماركسية نفسها لم تستطع أحياناً أن تتفهّم بوضوح متطلّبات مفهومها العلمي عن التأريخ ومستلزماته، حتّى لقد كتب ستالين يقول:
«إنّ المجتمع غير عاجز أمام القوانين. وإنّ في وسعه عن طريق معرفة القوانين الاقتصادية وبالاستناد إليها أن يحدّ من دائرة فعلها، وأن يستخدمها في مصلحة المجتمع، وأن يروّضها مثلما يجري حيال قوى الطبيعة وقوانينها»[1].
[1] دور الأفكار التقدّمية في تطوير المجتمع: 22