خلال التطبيق أنّ مجتمعاً حدثت فيه ثورة قلبت نظامه، وعصفت بالجهاز الحاكم فيه بعد أن تصدّع هذا الجهاز لظروف عسكرية وخارجية، واجتاح الناس شعور قوي بالحاجة إلى لون جديد من الحياة السياسية والاجتماعية.
ونفس هذه العوامل التي أنجحت الثورة في روسيا أو هيّأت لها كانت موجودة- كلّياً أو جزئياً- في عدّة أقطار اخرى شهدت نفس ما شهدته روسيا من ظروف عسكرية، وتمخّضت على أثر الحرب العالمية الاولى بثورات مماثلة، لعب فيها تصدّع السلطات الحاكمة والشعور القوي بعدم كفاءتها والإحساس بالحاجة المتزايدة إلى التقدّم السريع للالتحاق بالركب الأمامي للعالم دوراً خطيراً، غير أنّ الثورة الوحيدة التي اتّخذت الطابع الاشتراكي هي الثورة الروسية، ولا يمكننا أن نجد سبب ذلك في اختلاف قوى الإنتاج التي كانت متشابهة إلى حدّ ما في تلك الأقطار، وإنّما نجده في الظروف الفكرية التي كانت تمرّ بها تلك الأقطار والتيارات المتناقضة التي كانت تعمل في الحقل السياسي والمجال الثوري هنا وهناك.
فإذا كان من الحقّ ما يزعمه المنطق الديالكتيكي للماركسية من وحدة النظرية والتطبيق، وأنّ التطبيق هو الاسلوب الوحيد لتدعيم النظرية فمن الحقّ أيضاً أنّ المادية التأريخية لا تزال تفقد حتّى الآن هذا الدليل؛ لأنّ التطبيق الذي حقّقته الماركسية لم يحمل خصائص النظرية، ولم تنعكس عليه ملامحها. حتّى أنّ لينين- وهو الثوري الروسي الأوّل الذي كان يخوض معركة التطبيق ويقودها- لم يستطع أن يتنبّأ بموعد وبشكل اندلاع الثورة إلّابعد أن أصبحت الثورة على قاب قوسين أو أدنى؛ وليس ذلك إلّالأنّ دلائل المجتمع وأحداثه لم تكن لتنطبق على الدلائل والأحداث التي تحدّد النظرية على أساسها سمات المجتمع المشرف على العمل الثوري الاشتراكي. فقد خطب لينين في اجتماع للشباب الاشتراكي