وكان هذا التصور للحياة ولدور المال في تحديدها هو الأساس لكلّ ما زخرت به المجتمعات الجاهلية من محاولات الاستزادة والتكاثر وألوان التناقض والاستغلال؛ لأنّ المسرح محدود، والأوراق معدودة، واللاعبين كثيرون، وصاحب الحظّ السعيد من يحصل على أكبر عددٍ من تلك الأوراق ولو على حساب الآخرين.
ولإزالة هذا التصور واستئصال جذوره النفسية من الإنسان شجب الإسلام المال وتجميعه وادّخاره والتكاثر فيه كهدف، ونفى أيّ دورٍ له في تخليد الإنسان أو منحه وجوداً حقيقياً أكبر: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ* الَّذِي جَمَعَ مالًا وَ عَدَّدَهُ* يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ* كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ* وَ ما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ* نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ* الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ»[1].
«أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ* كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ»[2].
«وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ»[3].
ولم يقتصر الإسلام على شجب أهداف الجاهلية وقيمها عن الحياة، بل وضع بدلًا عنها الهدف الذي يجب أن تسير في اتّجاهه. قال سبحانه وتعالى:
[1] الهمزة: 1- 7
[2] التكاثر: 1- 7
[3] التوبة: 34- 35