من التقديس الديني، وأصبح من المستحيل بالنسبة إلى جزءٍ كبيرٍ من الامّة أن يتخلّى عنها بسهولةٍ، وهذا يؤدّي بكلّ حركة تجديدٍ تستهدف بناء الامّة من جديدٍ إلى مواجهة توتّرٍ نفسيّ- كردِّ فعلٍ على ما تمارسه من عملية التغيير- وتحفّزٍ دينيّ للمعارضة وصمودٍ في وجه القيم والمفاهيم الجديدة.
وحركة التجديد في هذه الحالة تكون بين خيارين: فإمّا أن تحاول استئصال الجذور النفسية لهذا التحفّز الرافض والتوتّر الصامد باقتلاع العقيدة الدينية من النفوس باعتبارها الأساس التقليدي لمشاعر المحافظة والتمسّك بالتقاليد، وإمّا أن تحاول فصل الدين عن هذه التقاليد وتوعية الجماهير على حقيقة الدين ودوره في الحياة.
والخيار الأول لا يحلّ المشكلة، بل يزيدها تعقيداً؛ إذ سوف تُسفِر الحركة التجديدية عن وجهها العدائيّ الصريح للدين وتطرح نفسها كبديلٍ عنه، وهذا- بقطع النظر عن التقويم الموضوعي للدين- يكلِّف عملية البناء جهداً كبيراً، ويبدِّد طاقاتٍ هائلةً ويعرّضها لأشدّ الأخطار من قبل الجزء الأعظم المحافظ في الامّة.
وأمّا الخيار الثاني فهو ليس عملياً بالنسبة إلى حركة التجديد التي تقوم على اسسٍ علمانيةٍ وترتبط بإيديولوجيةٍ لا تمتّ إلى الإسلام بصلة؛ لأنّ حركةً من هذا القبيل لا هي قادرة على تفسير الإسلام تفسيراً صحيحاً، ولا هي قادرة على إقناع الجزء الأعظم من الناس بوجهة نظرها في تفسير الإسلام ما دامت لا تملك أيّ طابعٍ شرعيّ يبرِّر لها أن تكون في موقع التفسير للإسلام ومفاهيمه وأحكامه.
وعلى العكس من ذلك حركة التجديد التي تقوم على أساس الإسلام وترتبط ارتباطاً وثيقاً بمصادره الحقيقية في الامة، وتجسِّد هذا الإسلام في دولةٍ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإنّ هذه الحركة قادرة على امتصاص الجزء الأعظم من المحافظين لمصلحة البناء والتجديد؛ لأنّها بحكم إدراكها العميق