وإنّما الكلام فيما إذا لم يخرج ماء العنب، وإنّما غلى وهو في موضعه.
وتفصيل ذلك: أنّ ماء العنب في داخله له حالة طبيعية، وهي أ نّه ليس بماء، وإنّما هو جسم مصمد مشبع بالرطوبات، وهذه الرطوبات لو تجمّعت لصارت ماءً. وله حالة بالعناية، وهي: أن نفرض أ نّا أمسكنا العنب وضغطنا عليه بحيث كَوَّنّا في داخله سائلًا من دون أن يخرج إلى الخارج، ثمّ عرضناه للحرارة إلى أن غلى من دون أن يتشقّق، وهذا مجرّد فرضٍ غير عمليٍّ خارجاً.
فإن كان موضوع الكلام هو الأوّل- كما هو الظاهر- فلا معنى لفرض الغليان عندئذٍ، إذ ليس هناك ماء للعنب بالفعل، وغليان نفس الحبّات ليس هو موضوع الحرمة.
وإن كان المراد الثاني- على فرض إمكانه- ففرض غليان الماء العنبيّ عندئذٍ معقول، غير أنّ روايات الباب اخذ فيها قيدان: خروج الماء، وكونه بالعصر، والثاني الغي بالارتكاز العرفي، وأما الأوّل فلا ارتكاز يقضي بإلغائه، فلا يشمل دليل الحرمة الماء المغليّ في داخل العنب ما لم يصبح مسكراً.
المسألة الخامسة: أنّ العصير المحرّمة بالغليان لا الإسكار إذا طبخ فصار دبساً قبل ذهاب الثلثين- وإن كان الفرض بعيداً- فهل يحلّ بذلك مع وضوح تعذّر الاستمرار بطبخه لاحتراقه حينئذٍ؟ وإذا لم يحصل التحليل بذلك فما هو المحلّل؟
وهذا يفرض الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: في كفاية صيرورته دبساً في الحلّية، والكلام في ذلك يقع في جهتين:
إحداهما: في مقتضى الحرمة إثباتاً.
والاخرى: في المانع عن الأخذ بالمقتضي على تقدير ثبوته.
أمّا الجهة الاولى فما يتصوّر مقتضياً لحرمة الدبس المذكور: إمّا إطلاق الدليل، وإمّا استصحاب الحرمة، وهناك عدّة وجوهٍ لإثبات عدم الإطلاق، فإن تم