وذهاب الثلثين من هذا القبيل، فإنّ فيه نكتةً مركوزةً عرفاً، وهي إخراج المائع عن القابلية للإسكار، وكان العمل على ذلك خارجاً، بمعنى أنّ من كان يتحاشى عن شرب المسكر في المطبوخ يطبخ العصير على الثلث. ومن كان لا يتحاشى عن ذلك يطبخ العصير على النصف أو نحوه.
فينصرف الكلام إلى أنّ الملحوظ في التحريم إثباتاً ونفياً هو الإسكار، بعد فرض عدم عرفية افتراض حرمةٍ واقعيةٍ للأعمِّ من المسكر وغيره، بملاك احتياط المولى نفسه خوفاً من أن يقع العبد في الاشتباه.
ومنها: ما مضى من رواية معاوية بن عمّار، حيث قال فيها: «رجل من غير أهل المعرفة ممّن لا نعرفه، يشربه على الثلث ولا يستحلّه على النصف»[1]. ونحن لم نجد شخصاً من المخالفين في حدود ما لاحظناه أبدى احتمال الحرمة في العصير العنبيّ المطبوخ على النار مع كونه مسكراً، وإنّما اختلفوا في أ نّه إذا طبخ ثمّ أسكر فهل قليله حلال أو حرام؟
فأكبر الظنّ أنّ هذا المخالف المشار إليه في الرواية كان ممّن لا يستحلّ المسكر، لا أ نّه لا يستحلّ المطبوخ على النصف بما هو، ومع ذلك عبّر عنه بأ نّه لا يستحلّ المطبوخ على النصف، وهي عبارة مشابهة جدّاً لعبارة: أنّ الطلاء إذا زاد على الثلث فهو حرام.
وهذا يؤيّد أنّ أمثال هذه العبارات كان يراد بها الإشارة إلى ما ذكرناه من:
أنّ الطلاء لا ترفع حرمته الإسكارية بمجرّد الطبخ، لا فرض حرمةٍ جديدةٍ تحصل بنفس الطبخ على النار. وبهذا تسقط دلالة الطائفة الاولى من الروايات على حرمةٍ مستقلّة.
[1] وسائل الشيعة 25: 294، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4