ثالثها: أنّ أخبار النجاسة في نفسها قطعية إجمالًا؛ لاستفاضتها، فتكون روايات الطهارة مخالفةً للسنّة القطعية، وهي كالمخالفة للكتاب الكريم توجب الخروج عن إطلاق دليل الحجّية.
ويرد عليه: أنّ جملةً من روايات النجاسة قابلة للحمل على التنزّه بالجمع العرفي، أو قابلة للتقييد، حيث تستفاد النجاسة من إطلاقها.
فإن اريد الاستفاضة بضمّ هذه الجملة لم يفد لإثبات عنوان المخالفة الموجبة للسقوط عن الحجّية.
وإن اريد ادّعاء الاستفاضة بدونها فهو واضح البطلان.
الموقف الثاني: إعمال الجمع العرفيّ بتقديم ظهور أخبار الطهارة على ظهور أخبار النجاسة في مقام التوفيق بينهما عرفاً، وذلك بأحد تقريبين:
أولهما: دعوى اشتمال أخبار النجاسة على ما يصلح للحكومة على روايات الطهارة، وهو صحيح عليّ بن مهزيار، قال: قرأت في كتاب عبد اللَّه ابن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، روى زرارة، عن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه عليهما السلام: في الخمر يصيب ثوب الرجل، أنّهما قالا: «لا بأس بأن تصلّي فيه، إنّما حرم شربها». وروي عن «غير» زرارة، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أ نّه قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ- يعني المسكر- فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، وإن صلّيت فيه فأعد صلاتك»، فأعلمني ما آخذ به؟ فوقّع بخطّه وقرأته: «خذ بقول أبي عبد اللَّه عليه السلام»[1].
فإنّ المراد بقول «أبي عبد اللَّه» الذي أمر بالأخذ به: القول الذي اختصّ بالنقل عنه، دون ما كان قولًا لكلا الإمامين عليهما السلام؛ لأنّه هو الذي يصلح أن يميّز
[1] وسائل الشيعة 3: 468، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 2